في خطوة تعكس إدراكًا عالميًا لأهمية تكنولوجيا البلوكتشين في الاقتصاد والحوكمة، أقرّ الكونغرس الأميركي مؤخرًا قانون “نشر سلاسل الكتل الأمريكية لعام 2025 (H.R.1664)”، واضعًا بذلك خارطة طريق استراتيجية لتعزيز ريادة الولايات المتحدة في هذه التكنولوجيا الثورية. وهذه الخطوة ليست مجرد توجه تقني، بل إعلان واضح بأن البلوكتشين أصبح ركيزة من ركائز التحول الرقمي، وأداة مركزية في تعزيز الشفافية، وأمن المعلومات، والاقتصاد القائم على الثقة، وحوكمة الهوية الرقمية.
في هذا السياق، تظهر تساؤلات جوهرية حول موقع الأردن من هذا التحول العالمي، والدور الذي يمكن أن تؤديه مؤسسات التعليم العالي في تمكين الدولة من استثمار هذه التكنولوجيا بشكل استراتيجي. فالجامعات في الأنظمة المتقدمة لم تعد تُعامل كمؤسسات تعليمية تقليدية، وإنما باتت تُنظر إليها كشركاء في التنمية وصناعة القرار. ومن هذا المنطلق، يُفترض أن تضطلع الجامعات الأردنية بدور محوري يتمثل في إدماج تكنولوجيا البلوكتشين في بنيتها الأكاديمية، سواء عبر تحديث المناهج أو من خلال تطوير تخصصات جديدة ذات صلة. كما أن تأسيس برامج دراسات عليا وتدريب مهني متخصص في سلاسل الكتل والتقنيات الموزعة بات ضرورة لتخريج كفاءات قادرة على تلبية احتياجات السوق الوطنية والإقليمية.
البحث العلمي التطبيقي يشكّل محورًا آخر يمكن للجامعات الأردنية أن تنشط فيه بقوة، وذلك من خلال توجيه الجهود البحثية نحو أولويات وطنية مثل النزاهة الحكومية، وإدارة البيانات، وأمن المعاملات الرقمية، والتكنولوجيا المالية. هنا تبرز الحاجة إلى تأسيس مراكز تميز بحثية في الجامعات الأردنية تُعنى بتطوير حلول رقمية محلية تستجيب لاحتياجات الحكومة والقطاع الخاص، وتعمل على بناء قاعدة معرفية وطنية مستندة إلى حالات استخدام واقعية، كما توفر بيئة حاضنة للطاقات الشبابية والابتكارية في هذا المجال.
إلى جانب التعليم والبحث، تستطيع الجامعات أن تكون قوة اقتراح في رسم السياسات العامة من خلال ما تملكه من خبرات علمية وأكاديمية. فهي قادرة على المساهمة في صياغة السياسات والتشريعات الوطنية المتعلقة بتكنولوجيا البلوكتشين، وذلك بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، وتقديم استشارات تقنية وقانونية للحكومة عند تطبيق هذه التقنيات. كما تستطيع الجامعات تنظيم منصات حوار وطنية تجمع أصحاب المصلحة من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع الأكاديمي لتنسيق الجهود وبناء توافق وطني حول مستقبل التقنية.
ورغم أن الأردن قد أطلق بالفعل السياسة الوطنية لتكنولوجيا البلوكتشين للعام 2025، وبدأت وزارة الاقتصاد الرقمي في تطوير شبكة وطنية بالشراكة مع شركة أردنية، إلا أن غياب التشريعات المنظمة لا يزال يشكّل تحديًا كبيرًا، كما أن مؤسسات التعليم العالي لم تواكب هذا التحول بما يكفي من حيث تطوير التخصصات، أو تفعيل البحث العلمي في هذا المجال، أو الربط المباشر مع متطلبات سوق العمل المتغيرة.
الفرصة لا تزال متاحة أمام الجامعات الأردنية لتكون هي المحرك الفعلي لإنشاء منظومة بلوكتشين وطنية، شرط أن يُعاد تعريف دورها ضمن السياسات الوطنية للتحول الرقمي. ومن أجل تحقيق هذا التمكين، فإن من المفيد بلورة إطار وطني متكامل يتم بالتعاون بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة الاقتصاد الرقمي والريادة والمجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، بحيث يتضمن هذا الإطار إطلاق تخصصات أكاديمية متقدمة في البلوكتشين وتطبيقاته، وتأسيس مركز وطني بحثي داخل إحدى الجامعات بتمويل حكومي وخاص، ودعم مشاريع البحث التطبيقي في المجالات ذات الأولوية مثل الحوكمة الرقمية وسلاسل التوريد والخدمات الحكومية، إلى جانب تصميم برامج تدريبية لبناء القدرات لدى الموظفين الحكوميين والخريجين الجدد، مع إشراك الجامعات في عملية إعداد التشريعات اللازمة لضبط استخدام التقنيات الرقمية الناشئة.
من الواضح أن البلوكتشين يمثل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي في المرحلة المقبلة، وإذا كانت الولايات المتحدة تتحرك لتأطير هذه التكنولوجيا تشريعيًا على أعلى المستويات، فإن الأردن، بما يمتلكه من إمكانات بشرية وموقع جيوسياسي، لا يمكنه أن يتباطأ. تمكين الجامعات من قيادة هذا التحول الرقمي ليس خيارًا إضافيًا، بل ضرورة وطنية لضمان الاستدامة الاقتصادية، وتعزيز سيادة الدولة الرقمية، وتأمين موقع تنافسي للأردن في الاقتصاد العالمي الجديد.