هل استطاع نتنياهو "تغيير وجه الشرق الأوسط"؟!

تاريخ النشر : السبت 06:55 5-7-2025
د. أحمد بطّاح

لقد دأب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -ومنذ أحداث السابع من أكتوبر 2023- على القول بأنه يخوض حربا على سبع جبهات (غزة، الضفة الغربية، لبنان، سوريا، العراق، اليمن، إيران)، وبأنّ إسرائيل في صدد "تغيير وجه الشرق الأوسط" فهل استطاع ذلك بالفعل؟ أم أنها مجرد أقوال حماسية لرفع معنويات الإسرائيليين، وتسويق نفسه كزعيم "تاريخي" لليهود من طراز "تشرشل" البريطاني، و"ديغول" الفرنسي وغيرهما؟!

قبل أن نناقش مقولة نتنياهو، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ "الشرق الأوسط" منطقة شاسعة، وتضم ثلاث قوميات كبيرة ضاربة في أعماق التاريخ، وهي: العرب، والفرس (الإيرانيون)، والأتراك (أكثر من 500 مليون نسمة)، وغني عن القول أنّها منطقة غنية بأكثر مصادر الطاقة أهميةً (النفط والغاز)، كما أنها تحوي المواصلات العالمية مثل قناة السويس، ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز وغيرها.

ولكي تكون المناقشة ذات معنى فإنّنا يجب أن ندرك معنى عبارة نتنياهو (تغيير وجه الشرق الأوسط) ومعناها في الحقيقة، هي "هيمنة" إسرائيل على المنطقة بعد القضاء على مختلف القوى المُقاومة فيها (دول أو جماعات)، وليس شرطاً لتحقيق هذه "الهيمنة" الاحتلال الواقعي، بل "تحييد" القوى الفاعلة، وإخضاعها، وممارسة النفوذ (Leverage) بكافة أشكاله عليها.

إنّ معناها، بعبارة أخرى، تحقيق أحلام اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يتزعمه نتنياهو والذي يحلم بإقامة "إسرائيل الكبرى" التي عبر عنها مُنظرو الصهيونية، وبالذات نتنياهو الذي ادعى في كتابه "مكان تحت الشمس" (صادر عام 1996) بأن إسرائيل الحالية لم تقم على كامل "أرض إسرائيل"!!

إنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل حقق نتنياهو شيئاً مما يريد على صعيد تغيير وجه الشرق الأوسط، وبما يُمكّنه من تحقيق هدفه الكبير هذا؟

إنّ ممّا لا شك فيه أن نتنياهو -مدعوماً من الغرب وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية- استطاع أن يحيّد بعض قوى المقاومة حيث حجّم حركة حماس (ككيان ذي إمكانيات عسكرية مهمة)، ومارس لتحقيق ذلك "إبادة جماعية" مشهودة في قطاع غزة المنكوب، كما أنه استطاع أن يضرب بصورة مُعتبرة "حزب الله" في لبنان، وأجبره على النزوح إلى شمال الليطاني، وفضلاً عن ذلك فقد استغل سقوط النظام السوري السابق، ونقض معاهدة "فك الاشتباك" بين إسرائيل وسوريا الموقعة عام 1974. كما احتل أجزاء كبيرة من الأراضي السورية، بل وأعلن بصلافة أنه يتطلع إلى أن يكون جنوب سوريا (محافظات القنيطرة والسويداء، ودرعا) منزوعة السلاح!

ولعلّ حرب نتنياهو الأخيرة على إيران التي استمرت اثني عشر يوماً (12) وكانت مدعومة بهجمة أمريكية مؤثرة على المواقع النووية الإيرانية (نطنز، أصفهان، فوردو) جاءَت في هذا السياق فهي لم تهدف فقط إلى القضاء على البرنامج النووي الإيراني، بل إلى تدمير برنامجها الصاروخي (البالستي والفرط صوتي)، ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأنه هدف في المحصلة إلى "تفكيك" نظامها السياسي، وخلق أرضية مناسبة لولادة نظام جديد صديق لإسرائيل، على غرار نظام شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي.

ولعلّ أحداً لا يستطيع أن ينكر بأنّ الضربات الإسرائيلية الأمريكية لإيران كانت مُوجعة ومُؤثرة وقد تكون أخرجتها من معادلات القوة في الإقليم، ولو أنه من السابق لأوانه التحقق من مدى أهميتها في حسم الخطر الإيراني بالنسبة لإسرائيل.

والآن، نتصدى للإجابة على السؤال المحوري في هذه المقالة وهو: هل استطاع نتنياهو تغيير "وجه الشرق الأوسط" فعلاً؟ إنّ الإجابة على هذا السؤال -وبغض النظر عما جرى في الأفق من انتصارات مهمة حقّقتها إسرائيل- هي أنه لم يستطع، وأنّ أمامه عقبات كأداء قبل أن يصل إلى هدفه، ولعلّ أهم هذه العقبات:

أولاً: الشعب الفلسطيني: الذي لا يستطيع نتنياهو أن يتجاهل قضيته العادلة في التحرر والاستقلال، والذي سوف يظل يمثل (الفيل في البيت) بالنسبة لإسرائيل، وقد كان "ألون بينكاس" (قنصل إسرائيل السابق في الولايات المتحدة) محقاً عندما لفت نظر نتنياهو (الإندبندنت بتاريخ 16/ 06/ 2025) إلى أنّه قد يستطيع "التفاخر" بدوره في مواجهة إيران، لكن التحدي الحقيقي لإسرائيل هو غزة وليس طهران، وبالطبع، فإنّ غزة هي رمز للقضية الفلسطينية، التي لا يستطيع لا نتنياهو ولا غيره القفز عنها، بحكم أنها بؤرة الصراع، والقضية المركزية فيه، وما لم تتم مقاربتها بما يحقق طموحات الشعب الفلسطيني المشروعة فإنّ إسرائيل سوف تظل عالقة.

ثانياً: الشعوب العربية: التي تغلي ولا يعرف أحد متى ينفجر غضبها في وجه التمدّد الإسرائيلي والأطماع الصهيونية التي لم يعد الزعماء اليمينيون الإسرائيليون يخجلون في التعبير عنها (مثل "بن غفير، "وسموتريتش"). صحيح أنّ بعض الدول العربية عقدت معاهدات سلام مع إسرائيل، وصحيح أن بعض الأنظمة العربية قد طبّعت أو سوف تُطبّع معها، ولكن الصحيح أيضاً أن الشعوب العربية لم تقبل إسرائيل بَعدْ في المنطقة، وأنّ التطبيع معها ما زال على مستوى رسمي ولم يصبح شعبياً. إنّ من المؤكد أن الشعوب العربية لن تقبل بأحلام نتنياهو في "شرق أوسط" تهيمن عليه إسرائيل، وأما مقاومتها الحقيقية لهذا الواقع -إن حَدَثْ- فلا أحد يستطيع أن يخمّن بأساليبه ومنهجياته.

ثالثاً: الشعوب الإيرانية والتركية: والتي من المُتوقع أن ترفض رفضاً قاطعاً "شرق أوسط" جديد، يتسيّد فيه نتنياهو وغيره من زعماء دولة لا يزيد عمرها عن (77) سنة، ولا تستطيع الاستمرار لولا الدعم الغربي الهائل والمستمر، وفي هذا الإطار فإنّنا يجب أن نستذكر أنّ الشعب الإيراني (الفارسي) يزيد عمره الحضاري عن ثلاثة آلاف سنة، ويزيد عدده عن (85) مليوناً يعيش على مساحة تبلغ مليوناً وسبعمئة ألف كم2 (1,700,000)، وقد حقّق تقدماً تقنياً مُلفتاً دلّ عليه مشروعه النووي والصاروخي وغيرهما، أمّا الشعب التركي فهو يستند إلى إرث عريق: عسكري وسياسي، حيث كانت الدولة العثمانية تتمدّد في ثلاث قارات (آسيا، أوروبا، أفريقيا)، ويزيد عدد سكان تركيا الآن عن (80) مليوناً يعيشون في مساحة تزيد عن مليون كم2، كما حققت تركيا المعاصرة إنجازات تصنيعية واقتصادية كبيرة جعلتها تتبوأ مكاناً ضمن الدول العشرين الأغنى في العالم G20.

وفي الختام فلا أحد يستطيع أن يمنع نتنياهو من التبجُح بأنه يريد أن "يغير وجه الشرق الأوسط"، ولكن المؤكد أن الشرق الأوسط بقواه الحية -وإن كان بعضها كامناً الآن- سوف يقف في وجهه، ويضعه في حجمه الحقيقي ومن يَعْشْ يَرَ.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }