في عالم مواقع التواصل الاجتماعي، بتنا نشهد ظاهرة خطيرة بدأت تتسلل إلى وعينا الجمعي وهي تحويل مصائب الناس إلى محتوى ساخر، وركوب موجة السخرية تحت مسمى «الترند».
حتى وإن كان أصحاب هذه المصائب قد ارتكبوا أخطاء... لكن هل الخطأ يبيح السخرية؟ وهل الذنب يسقط عنا واجب الرحمة؟
في الإسلام، قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «من عيّر أخاه بذنب، لم يمت حتى يفعله».. وفي المسيحية، قال سيدنا المسيح عيسى عليه السلام: «من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها أولًا بحجر.».. رسالة واحدة تجمع الديانتين: ارفض الذنب، لكن لا تذل صاحبه. ونحن في الأردن، بلد النخوة والمروءة، نشأنا على ثقافة تحترم الإنسان في لحظات ضعفه قبل قوته.
تعلمنا من أهلنا أن الرجال لا تشمت، وأصل النشمي أن يستر لا أن يفضح، وأن الرجولة موقف، وليست سخرية من الوجع، أين اختفت هذه القيم حين نضحك على من انهار في محنته؟ أين هي حرمة المصاب التي كانت تراعي حتى للغريب؟
في أردن الأصالة، يجب أن نستعيد صوت الضمير، ونذكّر أنفسنا أن الكارثة قد تزور كل بيت، والستر أغلى من أي إعجاب.
قبل إيام قليلة ألقى جلالة الملك عبد الله الثاني خطابا مؤثرا في البرلمان الأوروبي، أشار فيه إلى أن العالم يمر بفترة فقدان الجاذبية الأخلاقية، وأن فقد قيم الرحمة والعدالة يقود مباشرة إلى التعصب والصراع، حين قال «عندما يفقد العالم قيمه الأخلاقية، نفقد حينها قدرتنا على التمييز بين الحق والباطل، وبين ما هو عادل وما هو قاس».. هذه الكلمات تؤكد أن أصالة الأمة لا تظهر بالقوة فحسب، بل بالإنسانية أولا، والإنصاف ثانيا.
نريد عدالة تحاسب المخطئ لا جمهورا يضحك على المصاب.. نريد مجتمعا يحترم الألم… لا يستهلكه في مقاطع سخرية... نريد أن نعيد تعريف «الترند» ليكون وعيا لا فضيحة.
الشماتة لا تصنع وعيا… والسخرية لا تعني القوة.