مر الأردن ويمر كل عقد تقريبا بسلسلة أزمات اقتصادية الأثر، لكنها نتاج مباشر لأزمات إقليمية سياسية – عسكرية، ففي عقد السبعينات والثمانينات من القرن الماضي كان الأردن عروة الوصل والتجارة بين العراق والعالم شرقه وغربه، وكان ميناء العقبة مركز هذا الحراك الكبير، وظهرت شركات نقل بري مشتركة، ونشطت الحركة التجارية وانتعشت الأسواق، ونتج عن ذلك مئات فرص العمل، وتشغيل قطاعات كثيرة وكبيرة، كما كانت طرق الأردن البرية تربط دول الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية، فكانت الأردن بمثابة قناة برية إقليمية وأكثر في تلك الفترة المشار إليها، وتأسست أيضا شركات نقل بري مشتركة استمرت فترة أطول من الشركة الأردنية العراقية، وأسهمت في تنشيط إضافي ومهم لحركة التجارة والاستثمار وخلق فرص العمل، ورفد الخزينة بالعملة الصعبة، لكن كل هذا تغير بعد سقوط بغداد ومن ثم اندلاع " الربيع العربي " فأغلقت المنافذ وسدت الطرق، وتكبدت شركات النقل البري خسائر فادحة، حتى أغلق معظمها، وانكمشت التجارة البينية والإقليمية، وارتفعت أسعار السلع، وزاد حجم البطالة، غيرها من هذه الإرتدادات.
اليوم بعد سنين عجاف طوال، تستقر أحوال العراق ويعود جزء من حركة النقل والتجارة، ولكن بوتيرة أقل ومردود مازال بعيدا عما كان، صحيح هناك جهود تبذل، لكن الإقليم لم يستقر، والكثير من الإتفاقيات والتفاهمات هشة وغير ناجعة تماما، وهنا نحتاج أكثر لبناء جسور الوصل وعرى التواصل، وتحسين البنى التحتية، والظرف الأمني خاصة في الجانب الأخر، وهذا كله يسير بوتيرة طبيئة لا تتناسب مع حاجة البلدين لزيادة الزخم التجاري والنقل البري بشكل أكثر فعالية.
سوريا تعود، هذا ما يقوله واقع الحال، احتضان عربي وقبول عالمي، وخطوة كبرى يعلنها الرئيس الأمريكي ترامب برفع العقوبات عن سوريا، وأوروبا ترسل الوفود إلى دمشق وباريس تستقبل الشرع، نعم سوريا الداخل تحتاج وقتا ليس قصيرا ربما، لترمم جراحها وترتب أوراقها وتجمع شتاتها، وهذا طبيعي في بلد عانى الكثير، وبتركيبة سكانية متعددة لكنها منسجمة تاريخيا في إطار الدولة، علينا أن نسترجع حجم الخسارة الاقتصادية المباشرة منذ توقفت حركة النقل العابرة للحدود بعد إغلاق الحدود وتقطع السُبل، فأنقطع بذلك حبل الوصل بين أوروبا وتركيا وسوريا عبر الأردن باتجاه دول الخليج وبالعكس، فتفاقم حجم خسارة قطاع النقل البري، وهذا كله بعيدا عن تأثيرات اللجوء السوري إلى الأردن وما ترتب عليها من كلف باهظة على موارد الأردن واقتصاده.
لقد وجد الأردن نفسه شبه محاصر اقتصاديا نتيجة لواقع إقليمي وليس نتيجة قرارات مقاطقة، وعانى حتى اليوم من تبعات آثار هذا الواقع، وقد تجاوزت هذا التأثير إلى قطاعات أخرى مثل السياحة، وارتفاع كلف الاستيراد والتصدير، وبالتأكيد ارتفاعات متتالية في الطاقة وكلف التحديات الأمنية. لكن ماذا بعد العودة السورية الكبرى إن جاز التعبير؟ ما هي الخطط في إطار إنعاش خط أوروبا – الخليج البري، هل نحن في صدد بناء أسطول بري حديث يتسيد هذا الطريق، ما هي خطط بناء سكة حديد ترتبط إقليميا جنوبا وشمالا وربما شرقا باتجاه العراق، وماذا عن إعادة إنشاء أو إنشاء طرق دولية جديدة، والكثير من التفاصيل الأخرى، نعم عانينا من صعوبات كبيرة وتحديات ضخمة بسبب موقنعا الجيوسياسي، وآن الأوان أن نستفيد من موقعنا الجغرافي، وأن نحول هذه الإنفراجات إلى فرص كبرى، من خلال خطط سريعة التنفيذ لكنها استراتيجية الأهداف، وأن نسبق في ذلك، فالفرص لا تنتظر أحدا، فإن أحسنا هذا الاستثمار السهل نسبيا بسبب موقعنا، والأبعد أثرا بسبب جدواه وديمومته، عندها سيحلق الأردن اقتصاديا بجناحين خليجي ومفتاحه السعودية وأوروبي تركي ومفتاحه سوريا.