سجّل الاقتصاد الأردني نموًا حقيقيًا بنسبة 2.7% خلال الربع الأول من عام 2025، متجاوزًا التوقعات الرسمية، ومشيرًا إلى تحسّن نسبي في ديناميكية النشاط الاقتصادي، رغم استمرار التحديات الإقليمية والضغوط الخارجية. يعكس هذا الأداء مرونة القطاعات الإنتاجية وتطور الطلب المحلي والخارجي، إلى جانب كفاءة السياسة الاقتصادية في إدارة التوازن بين النمو والاستقرار.
جاء هذا النمو مدفوعًا بتحسّن ملموس في القطاعات الإنتاجية، أبرزها الزراعة التي شهدت توسعًا في الإنتاج وزيادة في التصدير، مدفوعة بتحسن البنية التحتية والتقنيات الزراعية. كما ساهم قطاع الصناعات التحويلية بدور فاعل، لا سيما في الصناعات الغذائية والدوائية، مستفيدًا من الطلب الإقليمي. وحقق قطاع الطاقة نموًا ملحوظًا نتيجة الاستثمارات المتزايدة في مشاريع الطاقة البديلة، بالإضافة إلى تحسن كفاءة التوزيع. كما أسهم قطاع الخدمات، بما في ذلك التعليم والنقل والرعاية الصحية، في دعم الناتج المحلي بشكل متوازن.
يشكّل هذا التحسّن في النمو فرصة استراتيجية لإعادة هيكلة المالية العامة. فارتفاع الناتج المحلي يسهم في خفض نسبة العجز المالي دون الحاجة لإجراءات تقشفية، عبر التوسع الطبيعي في القاعدة الضريبية، وارتفاع الإيرادات الضريبية وغير الضريبية. كما يؤدي إلى خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي، ما يحسّن قدرة الدولة على إدارة المديونية بكفاءة، ويمنحها مجالًا أوسع لإعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات التنموية.
ويمكّن هذا النمو من تعزيز موقع الأردن الائتماني إقليميًا ودوليًا، مما يفتح آفاقًا جديدة للحصول على تمويلات ميسّرة ودعم فني من المؤسسات الدولية، يمكن استثماره في البنية التحتية والتعليم والطاقة المتجددة والتحول الرقمي.
وعلى صعيد سوق العمل، فإن استمرار هذا النمو من شأنه أن ينعكس إيجابًا على فرص التشغيل، لا سيما في القطاعات كثيفة العمالة. وإذا ترافق ذلك مع إصلاحات سوق العمل وتوسيع الحوافز للاستثمار، فسيكون بإمكان الاقتصاد استيعاب شرائح أوسع من القوى العاملة، خصوصًا الشباب والخريجين الجدد.
الرسالة الأساسية هنا أن هذا النمو لا يجب التعامل معه كتحسّن دوري مؤقت، بل كبداية لتحوّل هيكلي مستدام. ويتطلب ذلك رؤية اقتصادية متماسكة تدمج بين الانضباط المالي والتحفيز الإنتاجي، وتوسيع الصادرات، ورفع كفاءة تخصيص الموارد، بما يرسّخ الاستقرار ويعزز مرونة الاقتصاد في مواجهة الصدمات.