يمتلك الأردن موقعًا استراتيجيا فريدًافي منطقة تضم بعض اهم المحاور السياسية والاقتصادية الرئيسية في العالم مما منحه توازناً سياسيًا ودبلوماسيًا استثنائياً بالقياس لباقي الدول المجاورة، لكنه في نفس الوقت يقع في قلب العواصف التي تهب على العالم بشكل عام والشرق الأوسط بشكل خاص،فهذا الموقع الجغرافي المميز للأردن هو مصدر قوة وتأثير ولكنه أيضًا مصدر تهديد وتحدٍ لا ينتهي.
الاقتصاد الأردني صغير بحجمه ومنفتح على العالم بطبيعته ويعتمد بشكل كبير على المعونات والمنح الدولية مما يضاعف من تأثره بالظروف والأزمات الدولية، فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008والتي تسببت بتراجع معدلات النمو المعلنة من قبل واضعي السياسات الاقتصادية، تعرض الاقتصاد الأردني لمجموعة من الازمات ابتداءمن الربيع العربي وأزمة اللجوء السوري ووباء كوروناالى الحرب الروسية الأوكرانية و الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة وما رافقها من الاضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الطاقة مما ترك اثراً واضحاَ على تضخم نس? البطالة والدين العام وتراجع النمو الاقتصادي، حيث شكلت مجموعة الازمات المتلاحقةفي الأردن نموذجًا واضحًا لما يطلق عليه الاقتصاديون «اقتصاد الأزمات» وهو اقتصاد يعيش في حالة من الترقب الدائم والتأهب للصدمات مع قدرة محدودة على التخطيط طويل الأجل أو تحقيق نمو مستدام.
لكن في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة، لم يعد بإمكان الأردن أن يعتمد فقط على رصيده السياسي والاستراتيجي كضمانة لاستقراره الاقتصادي، فما شهده العام الحالي من انخفاض حاد في المساعدات الدولية وانقطاع الغاز، ولو لفترة محدودة، كان كافياً لان يضع صانعي القرار في الأردن امام استحقاقات واقعية لحال ومستقبل الاقتصاد الأردني وطرق فهمه.
لا يمكن النظر على معضلة الاقتصاد الاردني على انها اقتصادية فقط بل لها جانب سلوكي لا يمكن انكاره، فعندما يعيش الناس بشعور من عدم الاستقرار الاقتصادي يصبح الخوف وعدم اليقين هما المحركان الرئيسيان لقراراتهم. فعلى سبيل المثال، عندما انقطعت امدادات الغاز وكرد فعل على تصريح الحكومة بخصوص مخزون الطوارئ، اندفع الكثير من الأردنيين لشراء المولدات الكهربائية مما كان من الممكن ان يؤدي أدى إلى ارتفاع الأسعار وخلق ضغوطا إضافية على السوق، نفس السلوك تكرر بأغلب المواد الغذائية والاساسية في حياة الاسر الأردنية، وهنا تبرز أ?مية الاقتصاد السلوكي وهو فرع من الاقتصاد يجمع ما بين مبادئ علوم الاجتماع وعلوم النفس السلوكية بالإضافة لنظريات الاقتصاد التقليديةلتحليل و دراسة كيفيةاتخاذ الناس لقراراتهم في الواقع، خصوصًا تحت تأثير حالة الضغط والقلق وعدم اليقين، فبخلاف الاقتصاد التقليدي الذي يفترض أن الناس يتصرفون دائمًا بعقلانية، الاقتصاد السلوكي يعترف بأننا نتأثر بسلوك من حولنا الخاضعة لتأثيرات رد الفعل العاطفي الجمعي.
بدأ الاقتصاد السلوكي ينتقل من الأوساط الأكاديمية إلى مراكز صنع القرار على أثر الأزمة المالية العالمية عام 2008عندما وجدت العديد من الحكومات نفسها امام واقع جديد من عجز مالي وفقدان الثقة الشعبية بالأداء الحكومي مما دفعها الى النظر الى اهميه مبادئ الاقتصاد السلوكي لتطوير سياسات اقتصادية واجتماعية أكثر فاعلية واقل تكلفة. فتأسست أول وحدة رسمية لدراسة السياسات السلوكية في مكتب رئيس الوزراء البريطاني عام ٢٠١٠، وسرعان ما تبنت العديد من الدول والمؤسسات الدوليةالكبرى مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والب?ك الدولي والأمم المتحدة مبادئ الاقتصاد والعلوم السلوكية لتصميم سياساتمبنية على فهم السياقات المجتمعية المختلفةتستهدف مجالات حيوية مثل النمو والتمكين الاقتصاديوإدارة الازمات.
لبناء اقتصاد وطني مستقر يجب ان لا يعتمد مستقبل الأردن الاقتصادي فقط على موقعه الاستراتيجي أو تحالفاته الدولية، بل على قدرته على التكيف مع التحديات الجديدة من خلال رؤية شمولية لاستخدام أدوات علم السلوك لبناء ثقة المواطنين وإشراكهم في عملية البناء الاقتصادي لتحويل الاقتصاد الاردني من «اقتصاد الأزمات» غير مستقر إلى نموذج للاقتصاد القادر على الصمود والاستدامة امام أي مخاطر في منطقة حافلة بالتحديات و ذلك من خلال الاستفادة من التجارب الدولية لتحسين ثقافةالامتثال الضريبي عبر تبسيط الإجراءاتوت وظيف الحوافز والرسائ? الموجهة التي تتناسب مع السياق الأردني والسعي الحثيث لمواجهة أزمة البطالة الهيكلية يمكن تصميم برامج تدريبية وتحفيزية تستند إلى فهم دوافع الشباب الاردني وتطلعاتهم لتشجيعهم على الانخراط في قطاعات إنتاجية كالزراعة او الاعمال المهنية، وغيرها العديد من السياسات التي تهدف الى إعادة ثقة المواطنين بالسياسات النقدية والمالية للحكومات المتعاقبة لبناء علاقة شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع وبالتالي تؤسس لنظام اقتصادي قادر على التصدي لأي أزمات.
باحث في الاقتصاد و السياسات السلوكية