تنطفئ حروب وتنشأ أخرى بأشكال متعددة، مرحلة التشكل لم تكتمل والمخاض عسير ومكلف جدا، فالتضاريس الجديدة التي تشكلها الثورانات البركانية مدمرة، ولكنها في كل مرة تضع مدماكا جديدا في شكل التضاريس المخطط لها، حتى يكتمل التشكل فتخمد نيران البركان، إذن حروب التشكل لم تنتهِ، علينا الآن أن لا ننشغل في إحصاء ماذا خسر هذا الطرف وماذا كسب الطرف الأخر في الجوانب المادية والبشرية والعسكرية، فهذه نواتج سيتكفل بتضميدها الزمن القريب، بل علينا أن نعي حجم وتأثير المدماك الجديد الذي أضافته هذه الحرب في إعادة تشكيل المنطقة / الشرق الأوسط، فهذه ليست حروبا مجانية أو لغايات آنية، بل هي ضمن مشروع تغييري كبير، يهدف إلى إنهاء مرحلة كاملة، وصناعة مرحلة جديدة، وليس شرطا أن تتغير فيه حدود الدول السياسية، أو تحدث فيه إحتلالات جديدة غير مستهدفة، لكن شكل الأنظمة والبنية الداخلية لهذه الدول وتوجهاتها وعلاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية ستتغير تغيرا جذريا، بما يصب حتما في صالح القوى المحركة والراعية والفارضة لهذه التحولات الأساسية، بالضغط والترهيب والقوة والحرب إذا لزم الأمر، إذن هو واقع جديد تسير إليه المنطقة ظهرت بعض ملامحه، لكن القادم منها يحتاج سنوات ليست بالقصيرة، بالتأكيد أن هذا الوضع سينهك المنطقة ويأخذها بعيدا في حالة عدم اليقين وعدم الاستقرار.
هنا تحديدا ندرك أهمية الأردن الاستراتيجي في ظل كل هذه المخاضات العميقة، فما هو الأردن الاستراتيجي الذي نعول عليه كثيرا ليكون سفينة النجاة لمسيرة الدولة، وبالتالي تعميق الدور الأردني كنقطة ارتكاز وتوازن وسط هذه الجلبة الكبيرة مما جرى منها وما هو قادم لا محالة رغم غياب جدول زمني لهذا القادم الغامض / المستشرف، حتى أن ترامب ونتنياهو قد بشرا به في أكثر من مناسبة وفي صيغ لغوية متعددة، فالأردن الاستراتيجي يعي أولا ما يدور حوله وما الغايات والأهداف منه، ويدرك أن هذا جزء من حركة كبيرة بدأت بشكل واضح منذ 2003 ومازالت في مراحلها الأولى، والأردن الاستراتيجي يعرف أن الحياد في التعاطي مع نواتج وتحولات الواقع الجديد ضمن ثوابته ومصالحه العليا هو ضرب من اللامعقول واللامنطق، وبالتالي فإن القدرة على القراءة لما هو حادث والتعامل معه، واستشراف المستقبل والتخطيط له خيار حاسم لا يقبل التسويف ودس الرأس في الرمال، من هنا تبرز الحاجة لتعميق ركائز الأردن الاستراتيجي في مسارات عدة، تعتمد ترسيخ الهوية الوطنية وتجذير الإنتماء لها، إعادة صياغة الجبهة الداخلية باعتبارها الحصن الحصين، من خلال الغربلة والتنقية وتفعيل المحاسبة القانونية والأخلاقية، وقطع دابر الإنتماءات الخارجية والولاءات المضادة للوطن ومصالحه وأمنه، وتمتين الإدارة الأردنية ليس فقط بالكفاءات بل بالكفاءات المقرونة بالإيمان بالأردن ومكانته ودوره وتاريخه، وما يطلق عليه شعبيا " رجالات الوطن ".
وهذا كله بالضرورة يستوجب إصلاح التعليم ومكافحة التطاول على المال العام أو على الدولة ومكتسباتها، وتقديم مصلحة الوطن الخاصة على أي مصالح إقليمية عامة لا تخدم مكانة الأردن ومصالحه، الأردن الاستراتيجي يتطلب تفعيلا أكثر لخطط الأعتماد على الذات، واستثمار الموارد الطبيعية بشكل أكثر جدية، وخلق بيئة استثمارية حقيقية، وبالتالي تقليل نسب البطالة وترسيخ ثقافة الإنتاج في مواجهة ثقافة الوظيفة، الأردن الاستراتيجي يتطلب أيضا حلولا جذرية للعجز المائي والطاقة والزراعة والأمن الغذائي، وهذا كله يتسق مع أهمية تطوير عمل المؤسسات الأمنية وتزويدها بكل حديث ومتطور من تقنيات وخبرات ومهارات، وأن يبقى الجيش عماد الدولة وبوصلتها والدرع الحصين المهاب.
إن بناء شراكات على أسس جديدة مع المحيط تُغلب فيه مصلحة الأردن، والإنفتاح على الغرب والشرق بتوازن تحكمه المصالح الاستراتيجية للأردن، والإبقاء على صوت الإعتدال والحق والمصداقية المعروف عن الأردن وضمن ممكنات وآليات جديدة، تحفظ للأردن مكانته العالمية، ويؤكد على أهمية دوره في المنطقة، ليس للأردن وحسب بل للمنطقة والعالم أيضا، وهو دور يسهم في المحافظة على الأردن وشرعية دوره.