عندما تنشأ الدولة، تتبنى في العادة "عقداً اجتماعياً" قد يكون مكتوباً أو غير مكتوب مُفاده أن من حق الدولة أن تحتكر ملكية السلاح: للجيش المكلف بحماية حدود الوطن من العدوان الخارجي، والقوات الأمنية بكافة مسمياتها التي تتكفل بحفظ الأمن الداخلي، وضمان السلم المجتمعي.
ومن هذا المُنطلق الآنف الذكر فإنّ أيّ دولة تسمح - وتحت أيّ مبرر- بنشوء مليشيات أو منظمات أو أحزاب مسلحة داخل حدودها إنما تغامر بدورها ومسؤولياتها إزاء مجتمعها الذي تُعدّ مسؤولةً عن أمنه واستقراره، ومن هنا فإن الدولة - أية دولة - يجب أن تكون متنبّهة لطبيعة دورها في احتكار السلاح، وكيفية ترخيصه واستخدامه بحيث لا تسمح من خلال منظومتها القانونية بتجاوز هذه السياسة الهامة، كما يجب أن تكون حاسمة (عسكرياً وأمنياً إذا لزم الأمر) في ملاحقة أية جماعة تعطي نفسها الحق في امتلاك السلاح (أيّ سلاح غير مُرخص وبالذات السلاح الثقيل) ومساءَلتها ومحاسبتها.
وغني عن القول أنّ دولاً عربية عديدة قد واجهت هذا الوضع ودفعت ثمناً غالياً بسببه ولعلّ أحدثها هو السودان الذي تخوض قواته المسلحة معركة صعبة ضد ميليشيا "قوات الدعم السريع" التي نشأت بسبب ظروف عسكرية معينة كانت تواجهها الدولة في إقليم "دارفور" وقبل عقد من الزمن، ولكنها ما لبثت أن تقوّت وأصبحت تشكل قوة موازية للجيش السوداني، بل إنها استطاعت في الواقع السيطرة على معظم أراضي السودان (بما في ذلك العاصمة الخرطوم) عند تفجر الصراع بين الجيش "والدعم السريع" قبل سنتين تقريباً ولم ينفع في هذا المجال أنّ الدولة ضمت هذه "المليشيات" في عام 2017 إلى الجيش رسمياً حيث ظلت محتفظة بخصوصيتها، بل وبمصادر تسليحها، وتحالفاتها الداخلية والخارجية.
ولعلّنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا مثل ذلك أو شبيهه بالنسبة لليبيا التي تقوم فيها عدة حكومات، وكل حكومة مدعومة بعدد من الجماعات المسلحة والتي قد تأخذ مسميات عديدة ولكنّها بالقطع لا تستطيع أن تزعم مشروعية تمثيلها لكل أبناء المجتمع ومن خلال الآليات الديموقراطية المُتعارف عليها.
ولذا فليس غريباً أنّ "قوات الدعم السريع" في السودان، والجماعات المسلحة المختلفة في ليبيا لا تحظى بأيّ اعتراف دولي أو من المنظمات الإقليمية (الجامعة العربية، منظمة الاتحاد الإفريقي...) أو الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة بهيئاتها المتعددة وإن كانت لها بعض التحالفات مع بعض الدول التي تدعمها لمصالحها الخاصة.
ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن الخطوة الأكثر حكمة التي قامت بها الإدارة السورية الجديدة هي أنها طالبت جميع الفصائل التي شاركت في الثورة السورية بتسليم سلاحها إلى وزارة الدفاع الجديدة لكي تصبح الدولة هي حصراً المسؤولة عن امتلاك السلاح. صحيح أنها لم تنجح تماماً بعد هذا التوجه وبالذات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تتمترس في شمال وشمال شرق سوريا ولكنّ المهم أنها بدأت وتبدو فرص النجاح واعدة وبخاصة أن الظروف المحلية، والإقليمية، والدولية لا تعمل لصالحها في تحقيق هذا الهدف.
ولكي تكون الأمور واضحة فيما يتعلق بهذا الموضوع فإنّ علينا أن نجيب على السؤال الحساس الآتي: ماذا لو كانت هذه الجماعات المسلحة جماعات مُقاوِمة للعدو الخارجي؟
إنّ الإجابة على هذا السؤال هي أنّ مقاومة العدو (وهي واجبة ومُشرّفة لكل من يتبناها) لا تبرّر قيام مثل هذه الجماعات بامتلاك السلاح واستخدامه ضد العدو بدون إذن من الدولة ورضا من المجتمع بشكل عام. إنّ هذا -إن حدث- يعني أن احتمال اصطدام مثل هذه الجماعات بالدولة (قواها العسكرية والأمنية) يظل وارداً على الدوام، كما يعني أن طرفاً بعينه (هو الجماعات المسلحة في هذه الحالة) يتخذ قرار الحرب الذي ينعكس على جميع أبناء المجتمع بمفرده ودون الرجوع لا إلى الدولة التي تُعدّ مسؤولة عن المجتمع، ولا إلى المواطنين بشكل عام، وفي هذا ما فيه من عُوار القرار وعدم مشروعيته. ولا حل في هذه الحالة غير أن تعود هذه الجماعات إلى حضن الدولة، وتصبح جزءاً لا يتجزأ منه.
إنّ حصرية السلاح بيد الدولة قاعدة ذهبية أخذت بها جميع الدول المُمّأسسة والراسخة، والخروج عليها يعني سقوط الدولة أو بداية سقوطها الأمر الذي يجب أن لا يُلجأ إليه أبداً، ولكي نكون منصفين فإنّ الدول -كل الدول- مسؤولة ليس فقط عن مراقبة الأوضاع وعدم السماح بنشوء الجماعات المسلحة على هامشها، بل أن تكون ديموقراطية تمثل آمال وطموحات وتوجهات أبناء شعوبها بكل صدق وأمانة، وعندها لن تجد أية جماعة المبرر الموضوعي الذي يمكن أن تستند عليه تسليح نفسها وطرح ذاتها كجهة مُعبّرة عن المجتمع أو بعض شرائحه على الأقل.
إنّ الوعي بحقائق هذا الموضوع على درجة كبيرة من الأهمية كي لا نضل الطريق، ونفقد البوصلة، وتصبح دولنا دُولاً "فاشلة" بدلاً من أن تصبح دُولاً مستقرة، ونامية، وذات مستقبل مشرق.