لم يعد خافيًا على أحد أن الأردن يتعرض في الآونة الأخيرة لهجمة عدائية ممنهجة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تُدار من جهات مشبوهة وأخرى مأجورة، وتستهدف استقرار الوطن ووحدة نسيجه الاجتماعي، من خلال بث الإشاعات، والتحريض على مؤسسات الدولة، ومحاولة إثارة الفتن بين مكونات المجتمع الأردني.
الهجمة ليست عفوية، ولا يمكن النظر إليها كجزء من "حرية التعبير"، بل تتجاوز ذلك لتأخذ طابعًا منظمًا وموجهًا، يُدار عبر مئات الحسابات الوهمية، بعضها يتبع لما يُعرف بوحدات إلكترونية خارجية، تعمل على إعادة تدوير محتوى قديم أو مفبرك ونسبه إلى الأردن، في توقيتات حساسة، مستغلة الأحداث الإقليمية، وخاصة ما يجري في غزة والمنطقة.
وقد لوحظ أن هذه الحملات ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: أولها بث الإشاعات الكاذبة حول مؤسسات الدولة وتشويه صورة الأجهزة الأمنية، وثانيها محاولة إثارة الانقسام بين الأردنيين من مختلف الأصول والمنابت، وثالثها التشكيك في مواقف الدولة الثابتة تجاه القضايا القومية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
إن ما يتعرض له الأردن اليوم هو شكل جديد من الحروب، تُعرف بالحرب الرقمية أو السيبرانية، لا تُستخدم فيها الدبابات ولا البنادق، بل الهواتف والحواسيب والكلمات المسمومة. والهدف ليس فقط زعزعة الثقة بين المواطن والدولة، بل ضرب النموذج الأردني المتماسك في العمق.
وفي ظل هذه التحديات، فإن مسؤولية المواطن أصبحت أكبر من أي وقت مضى، في تحري الحقيقة، وعدم الانسياق خلف كل ما يُنشر، والإبلاغ عن الحسابات التي تبث السموم، والمساهمة في حماية الوطن من منصات الفتنة والفرقة.
الأردن سيبقى عصيًّا على المؤامرات، بقوة مؤسساته، ووعي أبنائه، وتماسك قيادته وشعبه. والرد الحقيقي على هذه الحملات لن يكون بالصمت أو الانفعال، بل بالمزيد من الوعي والتلاحم، والتمسك بالثوابت الوطنية التي أثبتت الأيام صلابتها وصدقها.
كاتب وأكاديمي