في أقصي بقاع الأرض، يمتد جدار أبيض لا بداية له ولا نهاية، يشبه في هيبته نهاية العالم او ربما بدايته، يخفي خلفه حدودا لا نعرفها قد تكون متسعا آخر للعالم او بوابة سرية لعالم آخر او ربما مدنا قديمة متجمدة تحت الجليد.هناك لا شمس تستقر ولا رياح ترحم، ليس جدارا من كتل من الجليد كما يوصف او مجرد ظاهرة طبيعية نشأت من ضغط الزمن وتراكم الثلوج، بل أبعد من ذلك، علي الأقل بالنسبة لكثيرين هو لغز، رمز، عالم أخر.. يسمي " الجدار الجليدي ".
ببساطة الجدار الجليدي، هو الحواف الجليدية المرتفعة التي تحيط بأنتاركتيكا، والتي تكونت عبر آلاف السنين نتيجة تراكم الثلوج فهي تعتبر تشكيلا طبيعيا من الأنهار الجليدية، علي هذا فما وراء الجدار هو المزيد من الجليد وكائنات تستطيع ان تتكيف مع البرد الشديد كالبطاريق وغيرها، ولكن الجدار الجليدي تجاوز في رمزيته وتكوينه المفهوم التقليدي للجدران، ارتباطنا الوثيق بالخوف من المجهول، وحب الاستكشاف.
في قلب ذلك البياض، نسجت بعض القصص خيوطها، قيل أنه بوابة اسطورية تخفي خلفها اسرارا لا يعرفها أحد, اسرارغامضة، أراض مفقودة وحضارات غرقت في صمت الجليد، ثمة عوالم أخرى، بل أن هناك كائنات اسطورية تحرس الجدار بحذر شديد بين عالمنا وعالم آخر، لقد ألهم هذا الجدار خيال الكتاب والفنانين، ففي سلسلة " صراع العروش " كان الجدار الجليدي حاجزا بين عالمين، يحرس النظام من الفوضي.
كتب جيمس كوك في مذكراته عن أسوار بيضاء شاهقة وهو يقصد الجدار الجليدي اثناء محاولته الوصول الي القارة القطبية الجنوبية " لقد بدأ كأننا نواجه نهاية العالم، حيث لا البحر يمكنه التقدم ولا الرياح ترحم ", أما ريتشارد بريد قال " ليس جدارا يحجب العالم، بل بداية عالم آخر قاس ونقي في ان واحد ".
الجدار الجليدي ليس عدوا نخاف منه، بل معلم صامت في بياضه، في صمته نسمع صدي اسئلتنا الحائرة.. ماذا وراء الجدار ؟, من بناه ؟, لماذا هو هناك ؟، هل هو موجود ليحمينا ام ليمنعنا ؟.. الخ، فعبر التاريخ الانسان يطمح في تجاوز كل الحدود، لكن الجدار الجليدي يذكرنا ان هناك حدودا لا يمكن تجاوزها بسهولة.
رمزية الجدار الجليدي للانسان تتجاوز كونه كتلة من الثلج، بل هي صورة نفسية وفلسفية وحتي اسطورية، تتمثل في " الحد النهائي للمعرفة " يعكس تواضع العقل امام عظمة الكون، " الصمت المطلق " الصمت الذي يسبق الحقيقة التي لا تتكلم، " العزلة القصوي " التي لايصل اليه أحد بسهولة، " المجهول " الحد الفاصل بين ما نعرف وما لا نعرف، " الخوف " من معرفة ما يمنعنا من مواجهته.
رغم صمته وبرودته لكنه رمز لقوة الطبيعة، وحدود لمعرفة البشرية، يحثنا علي التأمل والصبر، وان هناك اسرارا كثيرة في انتظارنا، تعكس بداخلنا حالة من التحدي، والنظر بشكل أعمق، فالحكمة ليست في تجاوز كل الحواجز بل في احتضانها كجزء من رحلتنا الوجودية.