يحتفل العالم سنويا في الحادي والثلاثين من أيار باليوم العالمي لمكافحة التبغ، ويأتي شعار هذا العام: "فضح زيف المغريات" ليسلط الضوء على أساليب صناعة التبغ في استهداف الأطفال والمراهقين والشباب، من خلال استخدام منتجات مستحدثة وتصاميم جذابة ورسائل تسويقية مضللة توحي بأنها أقل ضرراً أو أكثر "عصرية" أو"تطوراً".
لم تعد شركات التبغ تعتمد فقط على السجائر التقليدية، بل توسعت نحو السجائر الإلكترونية، ومنتجات التبغ المسخن، وأكياس النيكوتين، ومنتجات أخرى تُسوَّق بألوان زاهية ونكهات متعددة وتصاميم تشبه الأجهزة الإلكترونية الحديثة أكثر مما تشبه منتجات التبغ المعروفة .
وتدّعي هذه الشركات أن منتجاتها وجدت لمساعدة المدخنين على الإقلاع عن التدخين. لكن إذا كان الهدف الحقيقي هو الإقلاع، فلماذا تُطرح آلاف النكهات المختلفة؟ ولماذا تُصمم المنتجات بطريقة تجعل استخدامها خفيا وسهلاً في أي وقت ومكان؟ ولماذا يُروَّج لها بصورة تتناسب مع المراهقين وغير المدخنين أكثر من المدخنين الراغبين بالإقلاع؟
فالواقع أن التحول من منتج إلى آخر لا يعني التحرر من الإدمان، بل قد يعني الانتقال من شكل من أشكال إدمان النيكوتين إلى شكل آخر.
وفي كثير من الحالات يستخدم المدخن المنتج الذي يراه مناسبا للمكان والزمان، فيصبح مستخدما لعدة منتجات في الوقت نفسه، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعزيز الاعتماد على النيكوتين وظهور أنماط جديدة من المخاطر الصحية. فالنيكوتين مادة شديدة الإدمان والسمية، تؤثر على الدماغ والجهاز القلبي الوعائي، وترتبط بارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، كما تشير الدراسات إلى ارتباطها بمضاعفات صحية عديدة .
وعندما ننظر إلى واقع الأردن، نجد أننا أمام تحدٍ حقيقي. فالأردن يسجل من أعلى معدلات انتشار التدخين عالميا،ً حيث تشير أحدث البيانات الوطنية إلى أن ما يقارب ٥٢٪ من البالغين يستخدمون منتجات التبغ أو النيكوتين. كما أظهرت نتائج المسح الوطني لانتشار التدخين الصادر عن وزارة الصحة لعام ٢٠٢٥ أن ٣٨٪ من المدخنين بدأوا التدخين قبل عمر ١٨ عاماً، وأن ٨٣٪ منهم بدأوا قبل عمر ٢٤ عاماً. كما أصبحت معدلات استخدام الأرجيلة بين الإناث أعلى من الذكور، وأصبحت نسب البدء
بالتدخين خلال المرحلة الجامعية متقاربة بصورة مقلقة بين الذكور والإناث.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات صحية فحسب، بل تعني أعباء مستقبلية كبيرة على النظام الصحي والاقتصاد الوطني، خاصة في ظل التوجه نحو توسيع مظلة التأمين الصحي وتحمل الدولة تكاليف علاج الأمراض المزمنة والسرطانات المرتبطة بالتدخين.
ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها أيضا الانتشار المتزايد لمتاجر التبغ المتخصصة ومقاهي الأراجيل داخل الأحياء السكنية والمناطق التجارية. فوجود هذه المنشآت بكثافة لا يقتصر على تسهيل الوصول إلى منتجات التبغ والنيكوتين، بل يساهم كذلك في جعل التدخين جزءاً اعتياديا من المشهد اليومي، خاصة بالنسبة للأطفال والمراهقين والشباب. فالإنسان بطبيعته يتأثر بما يراه بصورة متكررة، وعندما تصبح منتجات التبغ ومقاهي الأراجيل جزءاً ثابتا من البيئة المحيطة، فإن التدخين يتحول تدريجيا من سلوك ضار إلى سلوك يبدو طبيعيا ومقبولاً اجتماعيا .
كما أن أثر مقاهي الأراجيل لا يقتصر على مرتاديها فقط، بل يمتد إلى السكان المجاورين لها. فقد أصبحت هذه المقاهي في العديد من المناطق السكنية مصدراً مستمراً للإزعاج نتيجة الازدحام والضوضاء وتجمع المركبات، إضافة إلى تعرض السكان بشكل دائم لدخان وروائح الأراجيل والسجائر التي تتسلل إلى المنازل والشقق المجاورة، مما يحرم كثيراً من الأسر من حقها في التمتع ببيئة سكنية صحية وآمنة داخل منازلها الخاصة .
وقد اتخذت وزارة الصحة مؤخراً خطوة إيجابية من خلال إصدار تعليمات لتنظيم عرض منتجات التبغ، والتي تضمنت إجراءات مهمة من بينها أن تكون المنتجات في متناول البائع فقط، وأن تحفظ خلف ستارة سوداء مغلقة بشكل دائم، بما يحد من رؤيتها المباشرة ويقلل من استخدامها كأداة تسويقية. إلا أن نجاح هذه الخطوة يعتمد بصورة أساسية على التطبيق الفعلي والرقابة المستمرة، لأن سهولة الوصول إلى منتجات التبغ وكثافة انتشار منافذ بيعها قد تقلل من الأثر المرجو لهذه الإجراءات.
ومن أخطر القضايا اليوم استمرار التغليف الجذاب لمنتجات التبغ والنيكوتين. فالعبوة لم تعد مجرد وسيلة لحفظ المنتج، بل أصبحت أداة تسويق متنقلة. فالألوان والخطوط والأشكال والتصاميم جميعها تستخدم لتقليل إدراك المخاطر وإعطاء انطباعات مضللة بأن بعض المنتجات أكثر أمانا أو أكثر حداثة. ولهذا السبب تدعو منظمة الصحة العالمية والخبراء في مجال مكافحة التبغ إلى اعتماد تحذيرات صحية مصورة كبيرة الحجم ومتجددة، إلى جانب التغليف الموحد (Plain Packaging). وفي الأردن أصبحت الحاجة ملحة لاعتماد تحذيرات صحية مصورة متغيرة بنسبة ٦٥٪ على الأقل على الواجهتين الرئيسيتين وذلك على جميع منتجات التبغ والنيكوتين وأجهزتها دون استثناء .
فالتحذيرات الصحية المُصورة الكبيرة والمُتجددة لا تقتصر على زيادة الوعي الصحي، بل تسهم في تقليل جاذبية المنتجات والحد من البدء بالتدخين وتشجيع المدخنين على التفكير بالإقلاع، بينما يسحب التغليف الموحد من شركات التبغ إحدى أهم أدواتها التسويقية وهي العبوة نفسها.
وقد أثبتت الدراسات فعالية هذه التدخلات في حماية الفئات المستهدفة من البدء بالتدخين وزيادة الوعي المجتمعي بمخاطره، دون تحميل الحكومات أعباء مالية إضافية، إذ تتحمل الصناعة تكلفة تغيير العبوات وليس الحكومات.
ولا يقتصر تطبيع وجود صناعة التبغ على المنتجات نفسها أو انتشار المتاجر ومقاهي الأراجيل، بل يمتد أيضا إلى محاولات تقديم هذه الشركات على أنها جزء طبيعي وإيجابي من المجتمع. ففي السنوات الأخيرة شهدنا حضور شركات التبغ في مساحات شبابية وأكاديمية، مثل الجامعات والأيام الوظيفية والأنشطة المختلفة، حيث يجري الترويج لها بوصفها جهة عمل جاذبة وفرصة مهنية للشباب.
إلا أن صناعة التبغ ليست كغيرها من الصناعات، فهي ترتبط بشكل مباشر بالمرض والوفاة والعبء الاقتصادي والصحي والبيئي على الدول. وعندما تظهر هذه الشركات في بيئات تستهدف الشباب أو ترعى فعاليات خيرية أو مجتمعية تحت مظلة المسؤولية المجتمعية، فإن ذلك قد يساهم في تب ييض صورتها وإضفاء شرعية اجتماعية على أنشطتها. وهنا لا بد من التفكير ببدائل أكثر استدامة وعدالة. فبدلاً من السماح لصناعة التبغ باستخدام أنشطة المسؤولية المجتمعية كوسيلة لتحسين صورتها أمام المجتمع، يمكن تطوير آليات تُلزم هذه الشركات بتقديم مساهمات مالية إلزامية تُدار من خلال صندوق وطني مستقل يخضع لإشراف الجهات الحكومية المختصة، دون أي تدخل مباشر أو غير مباشر من شركات التبغ في كيفية استخدام هذه الأموال أو توجيهها.
كما أن التكلفة التي تتحملها المجتمعات نتيجة صناعة التبغ لا تقتصر على الصحة فقط، بل تمتد إلى البيئة أيضاً. ففي الوقت الذي يشهد فيه الأردن جهوداً متزايدة في مجال حماية البيئة وحملات تنظيف المدن والمواقع الطبيعية والشواطئ، لا يزال أحد أكثر أنواع النفايات انت شاراً في العالم يُلقى يوميا في الشوارع والحدائق والأودية والشواطئ: أعقاب السجائر. فأعقاب السجائر ليست مجرد بقايا صغيرة، بل تحتوي على مرشحات مصنوعة من ألياف بلاستيكية دقيقة غير قابلة للتحلل الحيوي بسهولة، كما تحمل مواد سامة تتسرب إلى التربة والمياه والكائنات الحية الدقيقة والنظم البيئية المختلفة.
ولا تقتصر الآثار البيئية على السجائر التقليدية وحدها، بل تمتد أيضا إلى الأراجيل ومنتجات التبغ المستحدثة. فالخراطيم البلاستيكية وقطع الفم أحادية الاستخدام المستخدمة في الأراجيل تضيف كميات كبيرة من النفايات البلاستيكية الملوثة إلى البيئة.
كما ينتج عن استخدام الأراجيل التخلص من كميات كبيرة من المياه المحملة بسموم ومخلفات التدخين والتي تُصرف يوميا إلى شبكات الصرف الصحي.
ويُضاف إلى ذلك مشهد أصبح مألوفا للأسف في العديد من الحدائق العامة والمناطق السياحية والشواطئ، بما فيها شواطئ البحر الميت، حيث تُترك بقايا الفحم المستخدم في الأراجيل متناثرة بعد الاستخدام، مشكلةً تشويها بصريا ومصدراً إضافيا للتلوث البيئي.
ولا بد من التطرق إلى المنتجات المستحدثة التي تعتمد على بطاريات الليثيوم. فهذه البطاريات لا يمكن التخلص منها مع النفايات المنزلية التقليدية نظراً لما قد تشكله من مخاطر بيئية واحتمالية تسببها بحرائق وانبعاثات سامة إذا لم تُجمع وتُعالج بطريقة سليمة وآمنة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير أنظمة واضحة وآمنة لجمع هذه المخلفات والتعامل معها. إلا أن معالجة هذه الأضرار يجب ألا تتحول إلى فرصة جديدة لتلميع صورة شركات التبغ أو إشراكها كشريك مجتمعي، فالجهة التي تتسبب بالضرر يجب أن تتحمل تكلفته.
من الواضح أن الحديث عن صناعة التبغ لم يعد يقتصر على آثارها الصحية فقط، بل أصبح أيضا قضية بيئية واقتصادية وتنموية تمس جودة الحياة والمساحات العامة والموارد الطبيعية التي نريد الحفاظ عليها للأجيال القادمة وترتبط بصورة مباشرة بأهداف التنمية المستدامة ومستقبل الصحة العامة في الأردن.
اليوم علينا أن نسأل أنفسنا: أي مستقبل نريده لأطفالنا؟ هل نريد أن تستمر صناعة التبغ في تحديد شكل هذا المستقبل من خلال التسويق والنكهات والتصاميم الجاذبة؟ أم نريد أن نضع صحة الإنسان قبل الأرباح؟
الأردن يقف اليوم عند مفترق طرق. لدينا القوانين، ولدينا الاتفاقية الإطارية بشأن مكافحة التبغ التي صادق عليها الأردن عام ٢٠٠٥، ولدينا الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التبغ والتدخين ٢٠٢٤ - ٢٠٣٠، وما نحتاجه اليوم هو التطبيق الفعلي لهذه الالتزامات ووضع صحة المواطن الأردني وصحة الأجيال القادمة فوق أي اعتبار آخر.
فكل تأخير في اتخاذ الإجراءات اللازمة لا يعني سوى مزيد من المرض والخسائر البشرية والاقتصادية والبيئية، بينما يستطيع القرار الصحيح اليوم أن يحمي جيلاً كاملاً غداً.
جمعية لا للتدخين