أكثر من مناسبة أشار من خلالها جلالة الملك عبد الله الثاني إلى التداعيات والعواقب الخطيرة جراء ما حذر إليه جلالته مرارا وتكرارا من تفاقم الأحداث والتطورات حول العالم، وهذا ما أكده من جديد أمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية بأن العالم يتجه نحو انحدار أخلاقي، إذ تنكشف أمامنا نسخة مخزية من إنسانيتنا، وتتفكك قيمنا العالمية بوتيرة مروعة وعواقب وخيمة وبالطبع يتمثل هذا الانحدار بأوضح أشكاله في غزة، التي خذلها العالم، وأضاع الفرصة تلو الأخرى في اختيار الطريق الأمثل للتعامل معهافيما يحدث في غزة اليوم يتنافى مع القانون الدولي والمعايير الأخلاقية وقيمنا المشتركة، ونحن نشهد الانتهاكات تلو الأخرى في الضفة الغربية، والوضع يزداد سوءا يوما بعد يوم.
بل وأعاد الصورة النمطية السابقة فالحرب التي شهدتها غزة والتي كانت القاسية في ظل الظروف والإضطرابات السياسية والاقتصادية والتي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية دون هوادة أعادها جلالته للذاكرة من عام 2023 والتي أثارت أولى الهجمات والغارات الإسرائيلية على مستشفى في غزة آنذاك صدمة وغضبا عالميا. ومنذ ذلك الحين، وثّقت منظمة الصحة العالمية ما يقارب 700 هجوم على مرافق الرعاية الصحية في غزة. كيف يعقل لما كان يعتبر فعلا وحشيا قبل 20 شهرا فقط، أن يصبح الآن أمرا شائعا لدرجة أنه بالكاد يذكر.
القادم حتما كما كاشف به سيدنا العالم ليس جيدا أبدا: " نحن على مفترق طرق آخر حاسم في تاريخنا؛ مفترق طرق يتطلب الاختيار بين السلطة والمبدأ، بين حكم القانون أو حكم القوة، بين التراجع أو التجديد. لأن كل هذا على المحك بالنسبة للجميع، والأمر لا ينطبق على غزة فحسب، فهذه ليست مجرد لحظة سياسية أخرى لتسجيل المواقف؛ بل إنه صراع حول هويتنا كمجتمع عالمي في الحاضر والمستقبل ".
وحدد جلالته الخطر فيما يلي وبما يشكل تحديا حقيقيا للجميع حيث أن العالم يعيش موجة تلو الأخرى من الاضطرابات دون توقف، مؤكدا أنه لا عجب بأننا نشعر بأن عالمنا قد ساده الانفلات، وكأنه قد فقد بوصلته الأخلاقية، مشيرا إلى أن القواعد تتفكك والحقيقة تتبدل كل ساعة، والكراهية والانقسام يزدهران، والاعتدال والقيم العالمية تتراجع أمام التطرف الأيديولوجي ولهذا وفي خضم هذه الفوضى، بات الخطر يهدد نسيان هويتنا وقضايانا التي ندافع عنها، ولكن هذه المنعطفات التاريخية هي فعليا اللحظات الحرجة التي تتطلب منا أن نتشبث بقيمنا ولا نتخلى عنها، فعندما يفقد العالم قيمه الأخلاقية، نفقد حينها قدرتنا على التمييز بين الحق والباطل، وبين ما هو عادل وما هو قاسٍ، الأمر الذي يولّد الصراع.
وضع جلالته قاعدة ثمينة في هذا المجال والشأن وهي: "يعلّمنا التاريخ أن الحروب نادرا ما تكون فقط حول بسط السيطرة على الأراضي، بل هي معارك حول وجهات النظر العالمية، والأفكار والقيم التي ستشكل مستقبلنا"، مثلما فعلت واختارت أوروبا بإعادة البناء، ليس فقط لمدنها بل للركائز التي تأسست عليها، إذ صممت شعوب أوروبا على ترك الماضي وراءها، وبناء عصر جديد من السلام. اختاروا الكرامة الإنسانية عوضا عن الهيمنة، والقيم عوضا عن الانتقام، والقانون عوضا عن القوة، والتعاون عوضا عن الصراع، والأمن الحقيقي لا يكمن في قوة الجيوش، بل في قوة القيم المشتركة، وأن السلام الذي تفرضه القوة أو الخوف لن يدوم أبدا.
خطاب جلالته أمام البرلمان الأوروبي فيه العديد من ملامح القادم حتما ومكاشفة حقيقية وتنبيه عالي الخطورة وخصوصا أنه خطاب باللغة الانجليزية ويستطيع المستمع العالمي فهمه وتدبره وقراءة ما بين سطوره ومخاوف ملك يدرك تماما ما يقول في شأن المنطقة والعالم.