في لحظة مفصلية من تاريخ العالم، وقف جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، مخاطبًا أوروبا والعالم بلغة صريحة لا تخلو من الألم، لكنها مشبعة بالأمل والإصرار الأخلاقي. قال جلالته: "نحن نعيش موجة تلو الأخرى من الاضطرابات دون توقف"، وهي عبارة تلخّص المشهد العالمي الراهن الذي يتخبط في أزمات متلاحقة، من الحروب المشتعلة في غزة وأوكرانيا إلى الانهيارات الأخلاقية التي تهدد القيم الأساسية التي تأسست عليها الحضارة الإنسانية. لم يكن خطاب الملك إدانة عابرة أو تصريحًا دبلوماسيًا، بل جاء أشبه بجردة حساب للضمير العالمي وخارطة طريق للخروج من متاهات الظلم والتطرف.
وسط هذا المناخ العالمي المأزم، جاء صوت الملك ليحمل رسالة عربية معتدلة، تذكّر بأن الأمن الحقيقي لا يكمن في الجيوش ولا في التحالفات العسكرية، بل في القيم المشتركة التي تصنع السلام. حديثه عن أوروبا لم يكن مجاملة، بل كان استدعاءً لتجربة تاريخية رائدة اختارت فيها أوروبا المصالحة بدل الانتقام، والقانون بدل القوة. وكان التساؤل الضمني في خطابه: هل يستطيع العالم اليوم أن يتعلم من هذا النموذج مجددًا؟
وفي لحظة مؤثرة من خطابه، تحدث جلالته عن غزة بأسى عميق، متسائلًا: "كيف يعقل لإنسانيتنا أن تسمح بأن يصبح ما لا يمكن تصوره أمرًا اعتياديًا؟". سؤال موجّه إلى عواصم القرار، اختصر مأساة الصمت الدولي على المجازر، والمجاعة، ودمار البيوت، وتجريف الأراضي، وقتل الأطفال والنساء. لم يكن دفاع الملك عن القضية الفلسطينية موقفًا تقليديًا مكررًا، بل تأكيدًا على أن حل هذا الصراع هو مفتاح الاستقرار العالمي، محذرًا من اتساع رقعة العدوان لتشمل إيران، ومن خطر تفكك الحدود الأخلاقية إن استمر العالم في تجاهل الانتهاكات.
أكد جلالة الملك على دور الأردن المحوري، ليس فقط كدولة مستضيفة للاجئين، بل كصوت عقلاني متزن في عالم مضطرب، وشريك فاعل للاتحاد الأوروبي، وحامٍ للقدس ومقدساتها من خلال الوصاية الهاشمية التي وصفها بأنها مسؤولية تاريخية وروحية لا يمكن التنازل عنها. لقد كان الخطاب مفعمًا بالمعاني الفلسفية والأخلاقية، بعيدًا عن الشعارات الرنانة، بل كان دعوة حقيقية للتجديد والاختيار بين حكم القانون أو حكم القوة، وبين الاعتراف المتبادل أو الصراع اللامنتهي. إنه خطاب يدافع عن الإنسان، عن كرامته وحقه في أن يعيش في عالم تحكمه القيم، لا شريعة الغاب.
لاقى الخطاب ترحيبًا واسعًا من أعضاء البرلمان الأوروبي، حيث وصفته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بأنه "دعوة للاستفاقة الأخلاقية"، مشددة على أن الأردن يمثل شريكًا استراتيجيًا في وقت تتغير فيه التحالفات العالمية. أما النائب الإسباني خوسيه لويس باييت، فوصف الملك بأنه "صوت العقل والعدالة في زمن التوترات والانقسامات".
اختتم جلالة الملك خطابه بكلمات تلخّص الموقف الأخلاقي الأردني من العالم حين قال: "علينا أن نختار بين أن نكون سجناء الماضي، أو بناة مستقبل أفضل لأبنائنا". لم يكن هذا الخطاب مجرد حدث سياسي، بل كان نداءً عالميًا لإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية، ودعوة صادقة لإعادة رسم مستقبل لا يقوده الخوف، بل تصنعه القيم المشتركة التي توحّد الشعوب بدل أن تفرّقها.