حفل خطاب الملك أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا، بجملة من المقاربات وأساسيات القيم والأخلاقيات العميقة التي نسيها أو تناساها العالم هذه الأيام، عند التعامل مع القضايا والأزمات في المنطقة، كما قدم أيضاً سلسلة من الحلول لمشاكل المنطقة والعالم، بالعودة الى طبيعتنا كبشر، وإسترجاع إنسانيتنا ومبادئ حقوق الإنسان، "العهدة العمرية مثالا"، إذا ما أراد العالم تخطي هذه المرحلة التاريخية، التي تنذر بكوارث وحروب طاحنة إذا ما تراجعت القوى المؤثرة عن النهج الحالي اللاأخلاقي والمدمر.
كلام الملك الذي حظي بتصفيق ووقوف مطولين من أعضاء البرلمان الأوروبي، يمثل نموذج وصفي ومنطقي لما تمر به المنطقة والعالم هذه الأيام من تراجع للقيم والمبادئ، وتشخيص إستراتيجي لحالة الإنهيار الأخلاقي الدولي، عند التعامل مع الأزمات، خصوصاً المسلحة منها، فالأحلام السعيدة قد تنتهي بكوابيس وكوراث، وما نحتاجه رؤية واقعية لما يجب أن يكون عليه التعامل مع المسارات المختلفة لقضايا المنطقة، خصوصاً القضية المركزية، قضية فلسطين.
البرلمان الأوروبي الحريص على الإستماع الى وجهة نظر الملك فيما يتعلق بملفات المنطقة وأزماتها، كما هي أزمات العالم، وهو الأكثر حضوراً بين قادة العالم من خارج أوروبا لمقر البرلمان الأوروبي، يؤكد دوما دور الأردن المحوري في نزع فتيل الأزمات الكبرى، ودوره المحوري في إنقاذ المنطقة وشعوبها من القتل والظلم والإبادة الجماعية التي تحصل على مرأى ومسمع العالم في غزة، والعالم المتزن كما يمكنه الإعتماد على الأردن كطرف يحظى بثقة وإحترام الأطراف ليكون سفير سلام وإنقاذ، لتحقيق الإستقرار وتدعيم أسس السلام والأمن في منطقتنا والعالم.
العالم اليوم، بحاجة أكثر من أي وقت مضى لإعادة توصيف العلاقة التي يقوم عليها النظام العالمي هذه الأيام، والتي تقوم أساساً على المصالح والنفوذ والسيطرة، لمعالجة الخلل الذي إعترى القيم والأخلاقيات التي تحكم العلاقات بين الدول، ولعل التعامل مع القضية الفلسطينية وما نتج عنها من صراعات إقليمية، منذ أكثر من سبعين عاماً، ولم تهدأ حتى اليوم، خير دليل على الخلل الكبير في النظام العالمي الجديد بالتعاطي مع الأزمات وجوهرها الوجودي، بما مثله ذلك من أنتهاك خطير للقيم والأخلاقيات المتوارثة والمتعارف عليها، منذ أيام الحرب العالمية الثانية، وحتى وقت قريب.
لم يعد كافياً الإستماع للكلام المحسوب والمجاملات والمديح، فالمنطقة تحتاج الى إقتران القول بالفعل والعمل بجدية من أجل إنهاء التوتر وخفض التصعيد، لا أن تترك المنطقة لمصيرها على قاعدة "إذهب انت وربك فقاتلا"، صحيح أن الأردن يعمل ليل نهار من أجل عودة الإستقرار والهدوء للمنطقة، لكن في نهاية المطاف، "يد وحدها لا تصفق" والكل ينأى بنفسه وينتظر، حالياً، لا صوت يعلو على صوت البارود، لكن الأردن الذي يمثل صوت الحكمة والإعتدال في المنطقة المشتعلة، وأوروبا التي عانت ويلات الحروب، يمكنهما التأثير بمجريات الأحداث وتغيير الواقع المرير اذا ما توفرت الإرادة للأطراف بذلك.
نعم أنه خطاب تاريخ ومؤثر، ورسالة سلام وإعتدال الى العالم أجمع، فلا التغاضي أو التواطئ عما يحصل ينفع، ولا هدم حدود وبوصلة الأخلاقيات في التعامل بين الشعوب والفشل في التعامل مع الملفات الساخنة تحسم أو تحدد نهايات المعارك ومآلاتها المؤلمة.