خطوة حكومية متقدمة بمسار الرعاية الصحية
البرنامج أولى الخطوات نحو التأمين الصحي الشامل
في لحظة وصفها رئيس الوزراء جعفر حسان بأنها «خطوة أساسية ومتقدمة»، وضعتها سمو الأميرة غيداء طلال في سياق «جهد امتد لأكثر من 20 عاماً»، وقعت الحكومة ومؤسسة مركز الحسين للسرطان اتفاقية تأمين تعد، بكل المقاييس، نقطة تحول تاريخية في مسار الرعاية الصحية الوطنية، وتحديداً في أكثر الملفات حساسية ووجعا: ملف مرضى السرطان.
لقد اعتاد المواطن لعقود أن يربط ملف علاج السرطان بطلبات ومراجعات وإعفاءات، في رحلة غالبا ما تكون مرهقة، في ظل مرض ينهك الجسد ويستنزف الطاقة، لكن اليوم، وبعد توقيع هذه الاتفاقية، فإن هذا النموذج القائم على المعاناة الإدارية يتلاشى تماماً، ويحل مكانه نموذج تأميني عصري، يبدأ إلكترونيا ببطاقة صحية عبر تطبيق «سند»، دون الحاجة لأي مراجعات أو وساطات أو «توصيات».
وقال وزير الدولة للشؤون الاقتصادية مهند شحادة: «لا حاجة لأي إعفاء طبي، ولا حاجة لمراجعة أي مؤسسة تابعة لوزارة الصحة، فبطاقة التأمين ستمنح إلكترونيا، لتضمن للمرضى العلاج مباشرة في مركز الحسين».
الاتفاقية، التي يبدأ تنفيذها مطلع مطلع العام المقبل 2026، تشمل 3 فئات رئيسية هي الأكثر هشاشة في المجتمع: كل من يبلغ 60 عاماً فما فوق، وهم الأكثر عرضة للإصابة حسب الدراسات، وجميع الأطفال واليافعين دون سن الـ19، ومنتفعو صندوق المعونة الوطنية، بغض النظر عن العمر.
هذه الفئات تمثل أكثر من 4.1 مليون أردني، سيصبح لهم الحق في العلاج داخل مركز الحسين، دون قيود، إنها عدالة صحية قدمت تضمن الكرامة، كما وصفتها سمو الأميرة غيداء بقولها: «هذه الاتفاقية حل جذري، شامل، ومستدام لمرضى السرطان في كل أنحاء المملكة، إنها إنجاز كبير، سيمنح العدالة والشفاء لأكثر من 4 ملايين مواطن».
الاتفاقية ليست فقط وثيقة علاج، بل بيان سيادي بإعادة ترتيب أولويات الدولة، إذ بلغت الكلفة الإجمالية لتغطية مرضى السرطان نحو نصف مليار دينار، منها: 124 مليون دينار لتغطية الفئات الجديدة، و200 مليون دينار لتغطية المرضى قيد العلاج حالياً، و130 مليون دينار سداد متأخرات من حكومات سابقة.
هذا الرقم الكبير، في بلد يعاني من ضغوط اقتصادية، هو إشارة بالغة الوضوح إلى أن الإنسان أولًا، حتى في أصعب الملفات.
ورغم أن البرنامج شمل فئات محددة في هذه المرحلة، إلا أن الوزير شحادة، أكّد أن جميع الأردنيين «مؤمنون صحيا»، وأن وزارة الصحة تبقى الجهة المخولة بتحويل الحالات التي تحتاج إلى علاج خاص في مركز الحسين.
كما أن الفئات العمرية ما بين 20 إلى 60 عاما غير المؤمنين سيتم علاجهم في مستشفيات القطاع العام، مع إمكانية التحويل إلى مركز الحسين وفق المخصصات الرسمية، وهنا تتجلى الروح التكاملية للاتفاقية، فهي لا تقصي أحدا، بل تنظم الاستحقاق وتدير الموارد بعدالة.
الاتفاقية تنسجم مع «رؤية التحديث الاقتصادي»، وتستهدف التحول من الرعاية الصحية المجزأة إلى نموذج تأميني شمولي وفعال، وكما قال الوزير شحادة: «أعقد المهمات هي علاج مرضى السرطان.. وهذا البرنامج هو أولى الخطوات نحو التأمين الصحي الشامل».
ولعل هذا المنعطف يؤسس لمرحلة جديدة في العمل الحكومي، حيث تصبح الكرامة الصحية جزءاً أصيلاً من المنظومة الاجتماعية، وترفع الحواجز الإدارية عن وجه إنسانية الانسان.
لقد جاءت هذه الاتفاقية بعد سنوات من الانتظار، ومعاناة طويلة عاشها آلاف المرضى وأسرهم، هي ليست مجرد برنامج صحي، بل انعطافة وطنية، تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الراعية، وتضع مريض السرطان في موقعه المستحق: مواطن كامل الحق، لا مستثنى، لا مهمش، ولا مجبر على إثبات حاجته كل مرة.