في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتعدد فيه المنصات، تصبح الشائعة أشد خطراً من الأزمة نفسها، حين تنتشر كالنار في الهشيم، مغذية الخوف والارتباك، ومقوضة لثقة الناس بمؤسساتهم. وفي مثل هذه الظروف، لا يصبح الإعلام الرسمي وحده مسؤولًا عن ضبط الإيقاع، بل يدخل وعي المواطن في صلب المعركة كخط الدفاع الأول ضد الفوضى والتضليل.
لقد أثبتت التجارب أن الشائعة في أوقات الأزمات لا تنمو إلا في بيئة يغيب عنها الوعي الجمعي، وتضطرب فيها معايير التحقق والتثبت. وهنا، يظهر دور المواطن الواعي، القادر على التمييز بين المعلومة والشائعة، بين التحليل المهني والدسّ المقصود، وبين الحرص على الصالح العام وبين من يسعى لبث الفتنة والتشكيك.
الأردنيون، في محطات عديدة، أثبتوا أنهم أكثر وعياً من محاولات التشويش عليهم. رأينا ذلك في أوقات الجائحة، وفي لحظات التوتر الإقليمي، وفي مواقف محلية حاول فيها البعض الاصطياد في الماء العكر. لكن هذا الوعي بحاجة إلى تغذية مستمرة عبر التربية الإعلامية، وتعزيز ثقافة التحقق، وتكريس قيم المسؤولية في النشر والتداول.
ومن هنا، فإن المواطنة الحقة لا تكتمل دون وعي إعلامي، يفرض على كل فرد التروي قبل إعادة نشر أي محتوى، ومراجعة المصادر، والتساؤل: من يقف وراء هذه المعلومة؟ ولماذا الآن؟ وما الهدف منها؟ وهي أسئلة بسيطة، لكنها كفيلة بأن تكون صمّام أمان لمجتمع يريد أن يصمد وقت الأزمات، لا أن يتشظى تحت وقع الأكاذيب.
الحكومات، بدورها، مطالبة بأن تسبق الشائعة بالمعلومة، وأن تنتهج الشفافية لا كرد فعل، بل كأسلوب دائم في الإدارة والتواصل. فغياب المعلومة هو البيئة المثالية لتكاثر الإشاعة، والفراغ المعلوماتي هو العدو الأول للوعي الجمعي.
في النهاية، المواطن الواعي ليس متلقياً سلبياً، بل هو شريك في صناعة الأمن المجتمعي، وسلاح ناعم في مواجهة الحروب النفسية والدعائية. فلتكن عقولنا مرشدة، وضمائرنا حية، ولنعلم أن الكلمة مسؤولية، وأن الشائعة قد تقتل معنويات أمة كما تفعل القذيفة في ميدان المعركة.
أكاديمي وباحث اعلام رقمي