أكد الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن التوجيهات الملكية السامية لعبت دوراً محورياً في تعزيز الأمن الغذائي الوطني الأردني، حيث شكلت بوصلة وخريطة طريق واضحة لمواجهة التحديات العالمية والإقليمية التي أثرت على وفرة الغذاء، سواء كانت جائحة كورونا أو الحرب الروسية الأوكرانية أو التغير المناخي.
وأضاف أن القيادة الهاشمية استشرفت مبكراً خطورة أزمة الأمن الغذائي، مما مكّن الأردن من تجاوزها عبر تأسيس منظومة متكاملة للأمن الغذائي تتسم بالمرونة والقدرة على الصمود.
بناء مؤسسي
واستجابة للتوجيهات الملكية، تم تأسيس مرجعية وطنية للأمن الغذائي عبر إنشاء المجلس الأعلى للأمن الغذائي عام 2023، ليكون الجهة المسؤولة عن رسم السياسات وتنسيق الجهود الوطنية في هذا المجال.
كما تم اعتماد جهة محددة لبحوث الأمن الغذائي، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة، مما عزز القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة.
وكان لتأسيس صندوق لتسريع الإنجاز والاستثمار في مجالات الأمن الغذائي، وتطوير وتحديث عمليات إنتاج الغذاء، وتبني أنظمة إنتاج ذكية مناخياً، والحد من الفاقد والمهدر من الغذاء، دور عظيم في هذا التطور.
وركزت التوجيهات الملكية على أهمية التحول من الزراعات التقليدية إلى الزراعات ذات القيمة المضافة العالية، وتبني التكنولوجيا الحديثة، وتحفيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتعزيز الإنتاجية وتنافسية المنتجات المحلية.
وتجلى ذلك في إطلاق الحكومة، استجابة للتوجيهات الملكية، خطة عمل للأعوام 2023-2025، تضمنت مشاريع لتحفيز الصناعات الزراعية وإنشاء مصانع جديدة وتطوير البنية التحتية الزراعية.
تعزيز المخزون الاستراتيجي
وبفضل التوجيهات الملكية، نجح الأردن في تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وإيجاد بدائل عن الصوامع بتكلفة أقل، مما وفر مخزوناً خاصاً من الحبوب في جميع محافظات المملكة بإشراف مباشر من الديوان الملكي والقوات المسلحة بلغ أربعة عشر شهراً من المخزون الاحتياطي من القمح والشعير.
كما حرص جلالة الملك على تفعيل التعاون الإقليمي والدولي في ملف الأمن الغذائي، من خلال التواصل مع دول الجوار والمشاركة في المنتديات الدولية، مما عزز مكانة الأردن كمركز إقليمي للغذاء.
وتم إطلاق المرصد الإقليمي للأمن الغذائي بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في عمان منتصف عام 2024.
مؤشرات عالمية
وتجلت نتائج هذه الجهود بوضوح في المؤشرات العالمية، حيث ارتقى ترتيب الأردن إلى المركز السادس على مستوى الدول العربية، والمركز 47 عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي لعام 2022.
ويعكس هذا التقدم الكبير الرعاية الهاشمية المستمرة والتوجيهات الملكية الحكيمة التي ضمنت استدامة توفر الغذاء في المملكة، حتى في أصعب الظروف والتحديات.
دعم صغار المزارعين
وأسهمت المبادرات الملكية في دعم صغار المزارعين في الأردن عبر مجموعة من السياسات والمشروعات التي استهدفت تمكينهم اقتصادياً وزيادة إنتاجيتهم وتعزيز قدرتهم على الصمود في وجه التحديات، حيث تم إطلاق نظام إقراضي تعاوني لدعم الزراعة المستدامة، يتيح لصغار المزارعين الحصول على التمويل اللازم عبر التعاونيات، مما يعزز من إنتاجيتهم واستدامة مشاريعهم الزراعية.
وتمت كذلك زيادة رأس مال مؤسسة الإقراض الزراعي إلى 100 مليون دينار، مع إعفاء صغار المزارعين من فوائد القروض التي تقل عن 10 آلاف دينار، لتخفيف الأعباء المالية عنهم.
وركزت التوجيهات الملكية على مساعدة صغار المزارعين في التحول من الزراعات التقليدية إلى الزراعات ذات القيمة المضافة العالية، وإدخال التكنولوجيا الحديثة لتعظيم الفائدة وتحسين الدخل.
وتم أيضاً تخصيص منح مالية وفنية لصغار المزارعين، مثل برنامج التنمية الاقتصادية الريفية والتشغيل الذي وفر منحاً إنتاجية وريادية لتحسين القدرات التقنية والتنافسية للمزارعين في معظم المحافظات.
وساهم تأسيس الشركة الأردنية الفلسطينية لتسويق المنتجات الزراعية في تسهيل انسياب السلع الزراعية إلى الأسواق المحلية والدولية، وإلغاء القيود التي تعيق التجارة وتخفيف الرسوم الجمركية على مدخلات الإنتاج الزراعي.
كما تم تطوير حاضنات للابتكار الزراعي، ودعم مشاريع ريادية تتيح للمزارعين تبني حلول مبتكرة لمشاكلهم التقنية والبيئية.
التحديات والحلول
تعاني الزراعة في الأردن من تحديات كبيرة تتطلب إدارة مستدامة للمياه، حيث يعتمد القطاع الزراعي بشكل كبير على الموارد المائية في بلد يُعد من أفقر دول العالم مائياً، لذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني تقنيات ري حديثة وتحسين كفاءة استخدام المياه لضمان استدامة الإنتاج الزراعي وتقليل الهدر.
كما تبرز أهمية وضع خطة إنتاج وطنية متكاملة تقوم على تحديث خارطة الإنتاج الزراعي بشكل دقيق من حيث التوقيت والمكان، مما يعزز من قدرة القطاع الزراعي على مواجهة التقلبات في الإنتاج.
ويعاني المزارعون أيضاً من ضعف في عمليات التسويق الداخلي والخارجي، إضافة إلى انخفاض القدرة على النفاذ إلى الأسواق المحلية والدولية، لذا، فإن دعم الجوانب التسويقية واللوجستية يعد أمراً حيوياً لتحسين وضع المزارعين وتمكينهم من تسويق منتجاتهم بشكل أفضل وزيادة عائداتهم.
وفيما يتعلق بالمخاطر المناخية، هناك حاجة ملحة للانتقال إلى نظام تأمين زراعي شامل وفعال، يتيح للمزارعين مواجهة موجات الجفاف والصقيع والأمراض النباتية.
الاستجابة للتحديات
وساهمت التوجيهات الملكية في التخفيف من آثار التحديات الزراعية عبر عدة محاور استراتيجية وواقعية، شملت التحول نحو الزراعة الذكية مناخياً والممارسات المستدامة مثل الزراعة بدون تربة والطاقة الشمسية وإعادة استخدام المياه، مما يخلق اقتصاداً زراعياً أكثر مرونة.
كما ركزت على فتح فرص التصدير للأسواق المجاورة، خاصة تصدير الخضار والفواكه عالية الجودة إلى دول الخليج والعراق رغم التحديات اللوجستية.
وتم أيضاً تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لجذب استثمارات وطنية وأجنبية يمكن أن تفتح المجال لسلاسل قيمة زراعية متكاملة، واستخدام نظم التحذير المبكر وإدماج نظم مناخية وتسويقية ذكية لتحسين التنبؤ بالإنتاج والأسعار.
كما شملت إعادة هيكلة الدعم الزراعي بتحويله من مدخلات إلى دعم الإنتاج القابل للتسويق والتصدير، وإصلاح التشريعات الزراعية وتحديث القوانين الخاصة بتنظيم المهنة والملكيات والعمالة والمياه وتسجيل الأصناف.
مواجهة التغير المناخي
ويساهم النهج الملكي في تعزيز مرونة القطاع الزراعي الأردني لمواجهة التغيرات المناخية من خلال تبني استراتيجيات متكاملة ترتكز على الزراعة الذكية مناخياً واستخدام التقنيات الحديثة.
وأطلقت الحكومة برامج تهدف إلى دعم تكيف القطاع الزراعي مع تغير المناخ عبر نقل التكنولوجيا المبتكرة مثل إعادة استخدام المياه المستصلحة وحصاد المياه والزراعة المستدامة، إلى جانب بناء القدرات المجتمعية من خلال التدريب وورش العمل للمزارعين في المناطق الأكثر تأثراً.
ويشمل هذا النهج أيضاً تطوير أصناف محاصيل مقاومة للجفاف والملوحة، وتحسين إدارة الموارد المائية والتربة باستخدام أنظمة ري متطورة مثل الري بالتنقيط والزراعة الدقيقة، بالإضافة إلى الاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بعد والبيانات الرقمية لتحليل حالة المحاصيل والتنبؤ بالمخاطر المناخية المحتملة.
تطلعات مستقبلية
يتميز الأردن بتنوع مناخي وبيئي يسمح للمملكة بإنتاج طيف واسع من المحاصيل الزراعية، مما يشكل قاعدة قوية لدعم الأمن الغذائي الوطني.
كما يمتلك المزارعون الأردنيون خبرة تراكمية طويلة، خاصة في مناطق الأغوار والمناطق المرتفعة، حيث تمكنوا من تطوير مهارات زراعية متقدمة تتناسب مع طبيعة الأراضي والظروف المناخية المحلية.
ويتمتع الأردن بموقع استراتيجي مهم قريب من أسواق الخليج والعراق وأوروبا، مما يفتح أمامه فرصاً كبيرة لتصدير المنتجات الزراعية.
ويعزز من هذا الموقع وجود مؤسسات تعليم وبحث زراعي عريقة مثل الجامعة الأردنية ومركز البحوث الزراعية، التي تلعب دوراً محورياً في تطوير المعرفة الزراعية والابتكار في القطاع.
وعلى صعيد الإنتاج، يمتلك الأردن قطاعاً محلياً عالي الكفاءة لإنتاج البذور والتقاوي لبعض الأصناف، مما يدعم استدامة الزراعة وجودة المحاصيل.
كما حقق قطاع التمور نجاحات لافتة، حيث أصبح محصول التمر من المحاصيل الاستراتيجية القابلة للتصدير.
وشهد الأردن تطوراً نسبياً في استخدام تقنيات الزراعة المائية والزراعة الرأسية داخل المدن، مما يعكس توجهاً نحو الزراعة الحديثة والمستدامة.
فضاءات الحداثة
وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، نهض القطاع الزراعي من مرحلة الركود إلى فضاءات الحداثة والابتكار، بفضل رؤية ملكية ثاقبة لم تنظر إلى الزراعة كأرض تُزرع، بل كرافعة للاقتصاد الوطني وعنوان لكرامة المواطن وسياج للسيادة الوطنية.
ومنذ جلوس جلالة الملك على العرش، شكّل القطاع الزراعي أحد المحاور الاستراتيجية في بناء الأردن الحديث، حيث أكد جلالته في العديد من المناسبات أن الزراعة ليست قطاعاً هامشياً، بل ركيزة وطنية للاستقرار الغذائي والاجتماعي.
وحمل العهد الملكي الزاهر نهجاً جديداً يقوم على تمكين الزراعة من خلال التكنولوجيا والإصلاح المؤسسي والشراكة بين القطاعات.
واليوم، يتصدر الأردن مشهد الزراعة الذكية إقليمياً، حيث باتت أنظمة الحوسبة والزراعة المائية والري بالتنقيط جزءاً أصيلاً من المشهد الزراعي، وهو ما انعكس في تحقيق نسب اكتفاء ذاتي مشرفة في الخضروات والدواجن والحليب والفواكه.
وأولى جلالة الملك الزراعة اهتماماً استثنائياً، جسّده من خلال زيارات ميدانية لمشاريع ناجحة، وتوجيهات مباشرة بدعم صغار المزارعين، وإنشاء برامج التأمين الزراعي، وتوفير التمويلات الميسّرة.
كما تبنّى جلالته نهجاً شمولياً في دعم الزراعة، يمزج بين الاستثمار والاستدامة، فوجه بإنشاء بنك البذور الوطني، وتعزيز سلالات محلية ذات قيمة تراثية واقتصادية مثل زيتون المهراس وأغنام العواسي، بالإضافة إلى دعم مهرجانات الزراعة كمنصات للترويج والإنتاج. وفي عيد الجلوس الملكي، يحتفل الأردنيون بملك يقود الدولة بنظرة استراتيجية، ويضع الزراعة في قلب الأمن القومي.
إن الدعم الملكي المستمر والتحول نحو الزراعة الذكية والمستدامة يجعل من القطاع الزراعي الأردني قصة نجاح تستحق التقدير، ونموذجاً يحتذى في الإقليم. ولقد أثبتت القيادة الهاشمية، وعلى رأسها جلالة الملك عبدالله الثاني، أن الزراعة ليست خياراً بل ضرورة وطنية تمضي بثقة نحو المستقبل، رافعة راية الاكتفاء والكرامة في وطن يستحق العطاء.
ووفق مدير عام اتحاد المزارعين الأردنيين، المهندس محمود العوران، فقد أولى جلالة الملك عبدالله الثاني منذ توليه سلطاته الدستورية أهمية كبيرة للقطاع الزراعي في معظم خطاباته بما فيها خطاب العرش، وفي كتب التكليف السامي للحكومات المتعاقبة، مشدداً جلالته على أن القطاع الزراعي من أهم الأولويات الوطنية، باعتباره ركيزة أساسية للتنمية بأبعادها البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
وركز جلالة الملك على نقل المزارعين من الزراعات التقليدية إلى زراعات ذات قيمة مضافة، مع التشجيع على الزراعات التصديرية.