أولا: هل جلالة الملك مُلزَم دستورياً بمفاوضة ترامب لرفض قرار التهجير؟
يقوم النظام الدستوري الأردني كنظام نيابي برلماني على مرتكزات ثلاثة، تتمثل أحدها وأهمها: بثنائية السلطة التنفيذية، ومفادها أن السلطة التنفيذية تتكون من الملك كرئيس للسلطة التنفيذية وكذلك من الحكومة، ممثلة بمجلس الوزراء كجهاز تنفيذي يمارس الملك اختصاصاته من خلاله (باستثناء بعض الاختصاصات التي يمارسها الملك بموجب إرادة ملكية منفردة والتي وردت حصراً في الفقرة 2 من المادة 40)، وقد تجسدت تلك الثنائية بالنصوص الدستورية التالية:
المادة (26): تناط السلطة التنفيذية بالملك ويتولاها بواسطة وزرائه وفق أحكام هذا الدستور.
المادة(45/1): يتولى مجلس الوزراء مسؤولية إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية، باستثناء ما قد عُهد أو يُعهد من تلك الشؤون بموجب هذا الدستور أو أي قانون إلى أي شخص أو هيئة أخرى.
المادة (47/1): الوزير مسؤول عن إدارة جميع الشؤون المتعلقة بوزارته، وعليه أن يعرض على رئيس الوزراء أية مسألة خارجة عن اختصاصه إلخ.....
وبالتالي فإن التصدي لمواجهة قرار ترامب من قبل الملك شخصياً، لا يندرج ضمن الاختصاصات الدستورية المكلف بها ملك البلاد بشكل فردي، بل هي من صميم الاختصاصات الدستورية لكل من وزير الخارجية الأردني ومجلس الوزراء الأردني، الذين يقع على عاتقهم التفاوض ثم اتخاذ القرار ورفعه بعد ذلك للمقام السامي الذي له الموافقة أو عدمها، فإن كان القرار بالموافقة يتم استكمال الخطوات الدستورية اللاحقة والتي تستوجب المناقشة والتصويت على ذلك من خلال مشروع قانون يقدم من قبل رئيس الوزراء لمجلس الأمة بغرفتيه على التوالي، تماماً كما هو النهج الدستوري المتبع في الدول الأخرى التي أخذت بالنظام النيابي البرلماني،ومنها المملكة المتحدة البريطانية والمملكة المغربية،
من هنا كان للملك أن يختصر مقابلة ترامب لتكون على مستوى وزير الخارجية الأردني ونظيره الأمريكي، ولكن حِرص جلالته الشديد على مصلحة بلاده وتكريسا للحقوق المشروعة لأبناء غزة،جعل الملك كعادته مبادرا لاستغلال مكانته السياسية المشهود لها في العالم أجمع، في محاولة للتأثير والتصدي لمشروع التهجير فكان له ما أراد، بحيث أدار المشهد ورفض التهجير بكل احترافية عبر عنها بيان البيت الأبيض وكل وسائل الأعلام الغربية،
ثانياً: من هي الجهة التي خولها الدستور الأردني لإتخاذ القرار النهائي في قبول التهجير أو رفضه؟
أخذ النظام الدستوري الأردني بالنظام النيابي البرلماني القائم على أن الأمة هي مصدر السلطات، وبالتالي فإن الشعب الأردني ومن خلال مجلس الأمة هو من يملك القرار النهائي فيما يتعلق برفض قرار التهجير، وذلك وفقاً للنصوص الدستورية التالية:
المادة (24/1): الأمة مصدر السلطات.
المادة (33/1): الملك هو الذي يعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات والاتفاقات.
المادة (33/2): المعاهدات والاتفاقات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة إلخ...)
المادة (93/4): و مفادها أن أي قانون يصر عليه مجلس الأمة بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل من مجلسي الأعيان والنواب، يصبح نافذاً حتى ولو لم يوافق الملك على ذلك.
وعليه فإن قرار قبول التهجير سواء أكان من خلال اتفاقية دولية أو بقرار أردني داخلي،يجب أن يصدر بموافقة كل من مجلسي النواب والأعيان أصحاب القرار النهائي في ذلك، وهنا نشير أن جلالة الملك تصدى لقرار التهجير بنفسه،دون أن يتذرع أو يتمسك بهذه الشرعية الدستورية التي من شأنها رفع الحرج عن موقف الملك، وكذلك لم يلجأ جلالته إلى رمي الكرة في ملعب الشعب الأردني وممثليه، بل تصدى لمواجهة (أعتى زعيم متقلب المزاج يرأس أقوى دولة نووية كبرى) رافضاً جلالته التهجير برمته في موقف دبلوماسي صلب لا ينكره إلا القلة من الجاحدين والأعداء.
ثالثاً: من هي الجهة المخولة دستورياً بخوض الإجراءات الدفاعية الدبلوماسية نيابة عن الشعب الفلسطيني؟
بعد عقد اتفاقية فك الارتباط بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1988، أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وذلك استعدادا وتعزيزا لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأعلن من خلال تلك الاتفاقية إنهاء الروابط القانونية والإدارية بين المملكة الأردنية الهاشمية والضفة الغربية التي كانت تحت الإدارة الأردنية منذ وحدة الضفتين عام 1950، وتم على أثرها حل مجلس النواب الأردني الذي كان يتشكل بنصف أعضائه من الضفة الغربية، وبذلك لم يعد الأردن ملزماً بأي التزام قانوني تجاه الإخوة في فلسطين، باستثناء استمرارية متابعة دور الأسرة الهاشمية الديني والعربي والتاريخي المتمثل بالمحافظة والرعاية للمسجد الأقصى المبارك والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية بموجب الوصاية الهاشمية.
وعلى الرغم من وجود اتفاقية فك الارتباط إلا أن الأردن قيادة وشعباً لم ولن يتخلى عن دوره الديني،التاريخي، العربي الأخوي والإنساني تجاه الشعب الشقيق، و آخرها على سبيل المثال لا الحصر، ما قام به جلالة الملك ووزير خارجيته من جهود في جميع الدول الكبرى والمنظمات والمحافل الدولية من فضح جرائم الكيان الإسرائيلي، مؤكدين حق أهلنا في غزة والضفة الغربية في العيش الكريم وحقهم في إقامة دولتهم المستقلة على تراب فلسطين، وكذلك ما قامت به الحكومة الأردنية من تضميد لجراحهم وسد جوعهم على مدار الساعة، وموقف الملك العظيم في رفض التهجير الذي في حقيقته يستهدف المحافظة على الهوية الفلسطينية،وإن كان مغلفا بإجابة الملك التي لها دواعيها الدبلوماسية والأمنية بقوله سأعمل لما فيه مصلحة شعبي.
أستاذ القانون الدستوري/ الجامعة الأردنية