تفاجئ عدد من المراقبين والمتابعين للشأن العام من مسارعة جبهة حزب العمل الإسلامي لتبني عملية التسلل من الأغوار الجنوبية إلى الأراضي المحتلة التي أدت إلى إصابة جنديين من جنود جيش الاحتلال ومقتل الشابين المتسللين.
وكلمة «تبني» ليست تأويلاً ولا تقويلاً للجماعة لما لم تقله، حيث تصدر نشرات أخبار وكالات الأنباء والمواقع الأجنبية عنوان «جبهة العمل الإسلامي تتبنى عملية التسلل من الأغوار الجنوبية». سارع الناطق باسم الحزب -والجماعة بطبيعة الحال- إلى نفي أنه تبنى العملية باسم الحزب ثم سارع من بعده أمين عام الحزب يوم السبت ليؤكد على شاشة التلفزيون أن منفذيّ عملية التسلل ليسا عضوين في الحزب، مكذباً بذلك مضمون بيان حزبه وجماعته ضمناً الذي أشار صراحةً إلى أن الشابين من منتسبي الجماعة وأنهما من الناشطين والمواظبين على حضور فعاليا? الحزب.
هذه الحادثة في حقيقة الأمر، تعتبر من لحظات الصدق مع النفس القليلة التي تبرزها الجماعة دون تلاعب أو تدليس. إذ أن الشابين إن كانا من منتسبي الجماعة، فقد أراد الحزب أن يستثمر سياسياً في حدث أمني خطير يرتبط بالقضية الفلسطينية والمجازر التي يرتكبها الاحتلال في غزة والضفة، وذلك من خلال الإيماء إلى أنه يدعم هذه العملية معنوياً ومادياً ولوجستياً حتى إن كان ذلك خارج نطاق وسياق الدولة بما يشبه فتح جبهة مع إسرائيل بقرار حزبي منفرد وبفتوى من مرجعية الجماعة. أما إذا كان الشابان ليسا من منتسبي الحزب، فهذا تصرف من الجماع? يعكس أيضاً لحظة صدق وإقرار على النفس، فهو يعبر عن الاستراتيجية الأكروباتية التي باتت جزءاً أصيلاً من أدبيات الجماعة وديدنها باستثمار الأحداث والأزمات الوطنية والإقليمية الماسّة بمشاعر الأمة وعاطفتها، وذلك بالرقص على حبالها المتشابكة والاتجار بها وتجييرها لأغراض سياسية شعبوية دون التفات إلى المصلحة الوطنية الكلية.
كان لافتاً التبجح الذي اتسمت به تصريحات الناطق باسم الحزب وأمينه العام وهما يطلبان من الشعب الأردني «الابتعاد عن التخوين والكف عن بث خطاب الكراهية”! ومكمن التبجح هنا يتجسد في أن الجماعة عرّابة التخوين وإمام الكراهية ومبتدعة إقصاء الخصوم.. تعظ ضحاياها وتطلب منهم عدم القيام بما ابتدعه مؤسسوها وقادتها وبرع فيه كل من انتسب إليها.
لم يترك حزب جبهة العمل مناسبةً أياً كانت طبيعتها حتى وإن كانت مناقشة قانون لحقوق الطفل أو تعديل دستوري سطحي يخص المرأة أو كلمة عن الجندر في كتاب أو محاضرة أو اجتماع لمنظمات أو نشطاء يناقشون العمل السياسي والدولة المدنية.. إلا وأمطروا الحقوقيين باتهامات «التخوين والخيانة والشذوذ والارتهان للخارج»، بل ويجعلون من اتهاماتهم خطاباً مقدساً بإلباسه ما يجود به ضيق العقول من بؤس النقول التي تشبه سوق الجمعة الذي يلبي مختلف المذاقات والأذواق. رحم الله أبا الأسود الدؤلي إذ يقول: «لا تنهَ عن خلقٍ وتأتي مثلهُ * عارٌ علي?َ إذا فعلتَ عظيمُ».
الحزب الذي اتخذ من مذابح غزة واللعب على مشاعر الناس طريقاً تقوده إلى العبدلي ليس من المستغرب أن يتخذ من عملية تسلل نقطةً يتسلل من خلالها ليصعد على جثامين شباب انتفضوا قهراً وغيظاً مما يحدث لأخوانهم في القطاع والضفة، فيجيرون العملية ومنفذيها لحزبهم، ثم لا بأس من التنكر لهم من بعد وتوجيه بوصلتهم جنوبيةً شرقيةً بعد أن أرسلوها جنوبيةً غربية، غير مدركين أن الوطن والانتماء والانتصار للحق ومناصرة المظلومين اتجاهه واحد، أساسه مبادئ العدالة والإخلاص في المواقف وتنزيهها عن المقامرات والمتاجرات السياسية الضيقة.
لا شك أن أجهزة الدولة مطالبة بالتثبت من أن ما حدث ليس مدعوماً ومخططاً من الحزب أو الجماعة لما لذلك من تبعات ودلالات تخرج كليهما عن دائرة العمل الحزبي إلى العمل المليشياتي، لكن في ظني أن ما جرى هو أن شهوة الاتجار والاستثمار بحدث كهذا غلبت وسبقت الحكمة السياسية والموازنة بين التصريحات الشعبوية الرغبوية وبين الممارسة الحزبية الرصينة المتوازنة، والأولى هي أصل نهج الجماعة، في حين أن الثانية تكتيك وبراغماتية يستخدمهما الحزب إلى حين، لذلك غلبت الأولى الثانية بوجه مكشوف ليس للمرة الأولى ولن تكون الأخيرة.
أبى المتحدثون باسم حزب جبهة العمل الإسلامي إلا أن يختموا تفنيدهم لما ادعوه على أنفسهم خلال اليومين الماضيين؛ بطرفة لطيفة كسرت جو الجدية والخطورة الذي تسببت به تصريحاتهم، فتطرقوا في حديث لقناة المملكة عن احتمال وجود «طرف ثالث يريد شق الصف وبث الكراهية»، وهذا الطرف الثالث بطبيعة الحال «جنّي لا يراه إلا المقربون ولا يصرفه إلا العارفون ولا يمسّ المطهّرون». إنها تعويذة الطغاة وأصحاب الإيديولوجيات الاستئصالية.. ذاتها التي تتلى في وجه كل حراك وحركة حرة. «المندسون والمأجورون والمرتهنون والطرف الثالث..» اتهامات مقو?بة في كتاب أذكار الإقصائيون المتطرفون لتبرير كل فعل شائن أو صمت فاضح أو مهادنة مشبوهة.