النبرة القويّة في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله في حفل اليوبيل الفضي لتولي جلالته سلطاته الدستورية، كانت تلاقي صدى واسعًا لدى أبنائه وبناته وجنوده وعزوته وعشيرته الأردنيّة من شتّى الأصول والمنابت، خصوصًا حين يتعلّق الأمر بخطر محدق أو مؤامرات تستهدف النيل من الوطن ووحدته وصفّه القوي أمام كلّ المستجدات والظروف.
كما كانت الجمل الواثقة، التي تخللتها هتافات صادقة ومؤيّدة، تلامس كلّ الوطن في ارتجاليّة رائعة لجلالة الملك وهو يعتزّ بخمسة وعشرين عامًا تولّى خلالها أمانة خدمة الوطن «الأردن الغالي»، مشيدًا بجباه مرفوعة وهامات عالية وقيم أصيلة، وهي إشادة تنهض بمعنوية الشباب والجند وتؤكّد مكانتهم ومكانة الآباء والأمهات في تخريج أجيال ناضجة الفكر واعية في تحمّل المسؤوليّة والدفاع عن الوطن الأغلى والأسمى.
حين يتعلّق الأمر بالجيش والأمن والقوات المسلّحة كان خطاب جلالته يبعث في الحضور والأسرة الأردنية الواحدة خلف الشاشات وكلّ المتابعين نخوة القائد وشجاعته وإيمانه بالأردنّ: الجندي الشجاع على الحدود الذي يدافع عن ثرى الوطن ومكتسباته، والأم التي توصل أطفالها إلى برّ الأمان، والطبيب الذي يقتحم الأهوال انطلاقًا من الرسالة الوطنيّة والإنسانيّة لمساندة الأشقّاء، بل والمعلّم الذي يؤدي أنبل رسالة ويخرّج أجيالًا واعيةً وشبابًا مبادرين يبنون الوطن منذ أن قبسوا من أمهاتهم وآبائهم حبّ الأردنّ والتضحية لأجله، وفي ذلك حديث طويلٌ تتضمّنه العبارة ويحمل الكثير من الدلالات، في أنّنا جميعًا على ثغور المسؤوليّة والوعيّ، كلٌّ في موقعه.
خطاب جلالة الملك كان استشرافيًّا ومليئًا بالإعجاب والإشادة أيضًا، وهو يرى الأردنيّ الذي لا يتوانى حين يدعو المنادي إلى نجدة مظلوم أو لاجئ تقطّعت به السبل وضاقت عليه الحياة، وقصد ديارنا ينشد الأمان، وفي الوقت نفسه فإنّ هذا الأردنيّ المثابر والمتميّز الذي يصافح بيد بيضاء خالصةً من كلّ سوء، هو أيضًا شجاعٌ ولا يتردد حين يتعلّق الأمر بالدفاع عن الوطن والذود عنه، فيستشهد مدافعًا عن قضايا وطنه التي آمن بها، تدفعه لذلك قيم الرجولة والشهامة في صفوف قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنيّة، لا سيّما وجلالة الملك، وعلاوةً على حسّه السياسيّ وحكمته الدبلوماسيّة وطبيعته الإنسانيّة، خدم في صفوف الجيش العربيّ، فهو الوفيّ لرفقاء السلاح ومن حملوا شرف التضحية، فهم كبارٌ في عين وفكر جلالته، وهكذا يكون تعريف الأردنّ بكلّ بساطة التعريف وقوّته: أردنّ يقوم على القيم والنخوة والمبادرة وإغاثة الملهوف.
شعبٌ عظيم نال احترام العالم، وملكٌ عظيم يباهي بشعبه وما يمتلكه من مواقف ومبادئ وإنسانيّات وإخلاق نبيلة، فهم الأهل والعزوة والعشيرة، في كلّ ثناء لقائد الوطن وهو يتنقّل إلى محاور مهمّة بعد مسيرة ربع قرن لم تكن لتخلو من تحديات أو مصاعب، يهوّن منها كلّ هذا الإنجاز العظيم حتى في أحلك الظروف وأقساها كما قال الملك، عبر مراحل كانت شديدة الوطء على المنطقة والعالم بما حملته من تبعات ومشاقّ لم تشهد لها المنطقة مثيلًا من قبل.
لقد كانت الهويّة الوطنيّة هي مصدر الاعتزاز في خطاب جلالة الملك، وهو يعظّم من ثمار هذه الهويّة وهذا التلاحم والقوّة الفريدة التي تجمعنا في مواجهة الأخطار، فبها حمينا مسيرة الدولة والمجتمع وخلف الراية توحّد الوطن في وجه «الخوارج» وأصحاب الفتن، أمام ما يعيشه الإقليم من فوضى، اقتضت أن نركّز بقيادة جلالته على أن تكون «حماية الأردنّ» أولويّة كبرى، لا حيادية فيها أو صمت.
تطرّق خطاب جلالته، أيضًا إلى المنجز الأردنيّ وتحقيق الأهداف والطموحات في التحديث والتصويب في كلّ المجالات، وهو إيمانٌ عملي وواقعي من جلالة الملك بعزيمة الأردنيين، بأن يبقى الوطن حصينًا لا تغيّره الظروف، ويكفي الأردنّ شرفًا أنّه حتى وهو في خضمّ إصلاحاته وتحديثاته وبناء الوطن، يكون أوّل الحاضرين دومًا عند نداء الواجب.
لقد جمع جلالة الملك حفظه الله في خطابه استثارة الهمم والاعتزاز بالوطن وقيادته الهاشميّة، وفي الوقت ذاته الانتباه إلى التحديات وخطّ الإصلاح الذي يسير فيه الأردن نحو المستقبل دون ترددٍ او خوفٍ أو تخاذل، حيث تتقدّم المواهب والكفاءات والقدرات البشريّة، ونفسح المجال واسعًا للطاقات الشبابيّة بصفتها عدّة المستقبل ومصدر آمال الوطن، يظلل كلّ هذا الإنجاز خبرات الأردنّ وعلاقاته الاقتصاديّة مع العالم وإيمان العالم به وثقتهم بموارده البشريّة وآفاقه الواسعة لزيادة الاستثمار في شتّى المجالات والقطاعات، وفي التحديث الشامل وإطلاق الإمكانيات الاقتصاديّة خلال السنوات القادمة لأردنّ تتعزز فيه الفرص وتتعاظم فيه الإنجازات لأجيال الحاضر والمستقبل، فالأردنيون على قدر المسؤوليّة دائمًا، وهم عند حسن ظنّ مليكهم ورائدهم في تحقيق التنمية والبناء وصناعة المستقبل وتعظيم الإنجازات.
هذه الجمل الواقعيّة والطموحة والمثيرة لمشاعر الاعتزاز والألق والدافعيّة في خطاب جلالة الملك، كانت تضع الأمور في نصابها الصحيح، حين يتطرق الحديث إلى البناء والإنجاز والتطوير، أو حين ينبّه جلالته على الأخطار الخارجيّة، في ثقته بـ"هذا الأردنّ»، حين يملؤنا حماسةً وهو يقف بين شعبٍ عظيمٍ شامخ، يعتزّ جلالته بشرف وأمانة خدمته، وهو تعبيرٌ صادقٌ يزداد ألقاً حين يفتخر الملك بأردنيّته، حيث الأردن: هو إنجازٌ في أقسى الظروف وأشدّها، ومثابرة في أصعب الأوقات، وثباتٌ على الحقّ في أشدّ المواقف.
نعم يا جلالة الملك، هذا هو الأردنّ الذي تفضّلتم بأننا «بنيناه معًا»، وأنتم تصدحون في سماء الفرح الأردنيّ الهاشميّ: «واليوم،..أشكركم فقد كنتم دومًا إلى جانبي، أستمدّ من أسرتي الكبيرة على امتداد هذا الوطن العظيم الإرادة والتفاؤل ومن أسرتي الصغيرة المحبّة والقوّة، وعهدي بكم أن يبقى الأردنّ حرًّا عزيزًا كريمًا آمنًا مطمئنًّا».
فعلى العهد ماضون، حيث تعلو الهتافات «إحنا رجالك يا أبو حسين»، والله وليّ التوفيق.