لو اعتبرنا -نحن الأردنيون- أن ذكرى الاستقلال موعد على الرزنامة للفحص أو التحقق فيما إذا كان «المشروع الوطني» يسير كما نريد، إلى ما نريد، فهذا يعتمد بصورة أساسية على ترجمة نقطة التدقيق هذه -إن صحّت تسميتها- من خلال تقييم أداء الدولة السيادي على مسطرة محاور مؤشر سيادة القانون.
فيأتي قياس مؤشرات أداء الدولة تجاه سيادة القانون من خلال؛ قياس القيود على الحكومة أي مدى خضوع الحكومة للقانون والضوابط المفروضة على السلطات التنفيذية من قبل الهيئات التشريعية والقضائية، وبذلك وجود آليات أخرى لقياس مدى حضور وعمق الفساد في السلطات الثلاث وأذرعها، ثم قياس انفتاح الحكومة بشفافية العمليات الحكومية، ومستوى المشاركة العامة في اتخاذ القرارات، وتوفير المعلومات العامة وضمان حق الحصول عليها.
كل ذلك على أرضية من حماية الحقوق الأساسية، مثل الحقوق المدنية والسياسية، وحقوق الإنسان على اختلاف صنوفها، بما لا يمس جوهرها والحرية في ممارستها، والموازنة بينهما، في ظل قدرة الدولة على الحفاظ على النظام والأمن من خلال قياس مدى انتشار الجريمة والعنف ومسبباتها. ونفاذ القوانين واللوائح بفعالية وعدالة، وخلوها من التأثيرات غير المشروعة، كالانتقائية والواسطة والمحسوبية والمحاصصة.
وضرورة قياس مدى سهولة الوصول إلى العدالة، وفعالية النظام القضائي في معالجة القضايا على اختلافها، وضمان حقوق أطراف الخصومة وضمانات المحاكمة العادلة.
فإذا ما وضعت هذه المحاور كمفاتيح أداء معياري سيادية في الدولة سيكون بالإمكان حصاد نتاج ذلك على صعد ثلاثة؛ أولاً، دولة مدنية ديمقراطية، ثانياً، مجتمع ينعم بالعدالة ويسوده القانون، ثالثاً، تنمية مستدامة قطاعية شاملة متكاملة منصفة.
هذه المصفوفة مترابطة ومنطقية لمن يرى الصورة الكاملة للدولة على اعتبار أنها تناغم بين السياسة وأدواتها من جهة والمجتمع وأشكال تمثيله وأطيافه من جهة أخرى.
إن هذه المصفوفة من الإدارة والتقويم لسيادة القانون في الدولة يعني بالضرورة القدرة على قياس الشعور بالهوية الوطنية وتعزيزها، كما ويصب مباشرة في تمسّك المواطنين بمواطنتهم وجودة دورهم المدني الكامل في التنمية والتعددية والتشاركية.
ذلك على مستوى يشمل مساهمة الجميع في وضع الرؤى والخطط والسياسات العامة التي تحقق الأهداف الوطنية الكبرى للمشروع الوطني، للأردن الذي نريد، على صعيد استراتيجيات طويلة الأمد. ثم وضع البرامج التنفيذية التي تترجم الاستراتيجيات إلى واقع ملموس، من خلال تنفيذ مشاريع ومبادرات محددة واضحة قابلة للقياس والتطبيق على معيار زمني منطقي، تهدف إلى تنمية فيها استدامة للموارد وتعزيز للعدالة والمساواة والشفافية كمقتربات للرضا الوطني. فسلسلة عملياتية متناسقة وملزمة من الإجراءات اليومية والروتينية المتكررة التي تضمن تطبيق روح القوانين واللوائح بفعالية وكفاءة.
إن هذه دعوة لاعتبار هذا التاريخ الوطني نقطة تقويم صادقة تجاه الأردن والأردنيين، ومراجعة نزيهة للدولة وأدائها، دولة تحترم قيم عقيدتها التي بُنيت على الوحدة والحرية والكرامة.
إن عناصر مصفوفة قياس أداء الدولة ومشروعها الوطني جميعها حاضرة، ولا عذر يبرر عدم القيام بهذا الفحص الضروري اليوم، ما يشكل فرصة جديدة لنا جميعاً.. لأن نبني الأردن بمئويته الثانية ويوبيلات براقة قادمة بطعم الحنطة التي خبزناها للبشرية منذ البداية.
*باحث أردني في التنمية والعدالة