بداية ودون مقدمات، علينا أن نتفق على أن تقييم مدى النجاح لأي «قرار أو تصرف»، يستند حصرا الى مقارنة النتيجة المترتبة على ذلك القرار أو التصرف بالغاية المرجوة أساسا من إتخاذه. وبتطبيق ذلك المعيار، يسهل علينا تفسير التباين في ردود الفعل الواردة على ألسنة القانونيين والسياسيين بخصوص قرار العدل الدولية من الطلبات المستعجلة التي تقدمت بها جنوب افريقيا نصرة لغزة.
أي أن من حصر، في مخيلته، الأثر المترتب عن ذلك القرار بتخفيف المعاناة التي تشهدها غزة اليوم، سيصل بالضرورة الى نتيجة متشائمة من عدم «التصريح المباشر» بالوقف الفوري للعمليات العسكرية. أما من تعامل مع أبعاد ذلك القرار من خلال نظرة شمولية لحال القضية الفلسطينية ككل، فلن يتمكن من إنكار المكتسبات التي تحققت فعلا وعلى رأسها قبول الاختصاص لمحاكمة الكيان الصهيوني المحتل، في جريمة يعتبرها القانون الدولي «أم الجرائم"؛ وبموجب نصوص اتفاقية كان الكيان المحتل أول من نادى بإبرامها بل وساهم في صياغتها لتحصين نفسه من «بطشنا? حسب سردياته الكاذبة التي ما فتئ يستغلها لتضليل الغرب واستعطافه.
فهل جانبت المحكمة الصواب؟ وهل تم تسيسها أم أنها التزمت بحرفية النصوص القانونية؟ ونتساءل تباعا، هل يستوجب ذلك القرار منا أي دور/أدوار تتجاوز في حدها الأقصى ما نجيدة من نقد- بحلوه ومره من جهة، وندب من جهة أخرى؟ لننتقل معا الى تقييم ذلك القرار من ناحية موضوعية وقانونية بحتة بعيدا عن تبعات العاطفة. وكي لا يُساء فهم الغاية من هذه المقالة، فهي تحاول فقط تبسيط الحقائق اتي نرى أنها ساهمت في إخراج قرار المحكمة على الشكل الذي صدر به- بصرف النظر عن رأيي الشخصي وقناعاتي الداعمة للمقاومة المشروعة الباسلة. وذلك كما يلي:
1. استهل ذلك القرار في مقدمته الإشارة الى ما قامت به «حماس» في 7/10 مرددا ما جاء على لسان الكيان المحتل من مزاعم بقتل 1200 إسرائيلي واسر 240 بين مدنيين وعسكر بالإضافة الى المصابين. ولتقييم ذلك من ناحية قانونية بحته، هل نتناسى أم نغفل عن حقيقة أن المحكمة مقيدة في هذه المرحلة- مرحلة الطلبات المستعجلة- بالحدود التي تبديها «ظاهر» البينة فقط- وليس البينة الكاملة التي سيتم تفصيلها خلال الدعوى الأصلية. وبالتالي، ألا تبدو تلك الإستهلالة متوافقة مع ما نصت عليه لائحة الدعوى المقدمة من جنوب أفريقيا ذاتها في إدانتها لما ?بق صراحة؟ الم تنص كافة احكام القانون الدولي ذات العلاقة على تجريم أسر المدنيين؟ وأخيرا، ألم نشهد جميعا ما استعرضه محامو الكيان المحتل من أكاذيب مضللة ومبالغ بها عن أحداث 7/10 وهو ما يسمح للمحكمة بالاعتماد ولو على النذر اليسير منه، لغايات هذه المرحلة من الدعوى؟!
2. ومن ثم انتقل ذلك القرار الى الحديث عن طبيعة اختصاص المحكمة وأكد صراحة على أن قرارها في هذه المرحلة يستند حصرا على ظاهر البينة. ونرد على ذلك بتأكيد صحة ما جاء على لسان المحكمة وتوافقه مع أحكام القانون. بل أن الحكم بالطلبات المستعجلة يستوجب على المحكمة الأخذ بعين الاعتبار مصلحة طرفي النزاع بحيث تقوم بإصدار القرار الذي يضمن تحقيق الغاية المرجوة من المدعي؛ ولكن بالقدر، والى الحد الذي لا يتسبب فيه بالإضرار بمصالح المدعى عليه «إسرائيل». وهنا نستذكر كذب الرواية التي أصر عليها رئيس فريق الدفاع الإسرائيلي مالكوم شو?بخصوص حقها المزعوم بالدفاع وبأن «أي حكم بوقف الأعمال العسكرية سيعني أن المحكمة صرفت النظر عن حماية المدنيين الإسرائيليين من هجمات حماس- سيما أن حماس ليست طرفا في اتفاقية منع الإبادة وليست ملزمة بقرارات المحكمة بوقف الحرب!». هل ننكر ما لوقع تلك الأكاذيب من أثر على قناعة المحكمة التي لم يتح لها تفنيدها بعد من خلال البينات الكاملة التي ستقوم باستعراضها في الدعوى الأصلية وليس الطلب المستعجل! خاصة في ضوء تأخر حماس في إصدار بيانها بنية الالتزام بقرار المحكمة والذي صدر مساء البارحة فقط؟!
لست معنيا بالدفاع عن حيادية المحكمة، بل سأفترض جدلا تسيسها، فماذا نحن فاعلون؟؟ أوحقا افترضنا بالخصم السياسي أن يكون منصفاً؟ أم فاقت تخيلاتنا الواقع عند افتراض المدينة الفاضلة ومبادئ العدالة المطلقة بأن تصل الينا على طبق دون عناء؟؟ ألم نعي دورنا بعد في دعم صمود المقاومة من خلال التركيز على المكتسبات ومن ثم البناء؟ أولن نكرم تضحياتها بما يتوجب على كل منا القيام به ضمن حدود قدراته؟! أما آن علينا أن نؤمن أن بوصلتنا لم تتجه يوما للتعامل مع المشكلة الحقيقية المتمثلة في هيمنة ذلك الكيان المحتل على آلية الوصول للر?ي العام العالمي؛ بينما يجيد قانونييه تنصيله من المسؤولية القانونية تلو الأخرى في حين نكتفي نحن بالنقد والندب؟! وها هو الجيش الإعلامي للكيان البغيض يعاود تجديد نهج الكذب والتضليل من كراهية المحكمة «للسامية» بينما يعمل قانونييه على تدبير الثغرات القانونية للتحايل على القرار، ونتابع نحن نقدنا والندب!
إن الطريق الى الحرية محفوف بكل ما نشهد اليوم من مجازر- مما يوفر علينا عناء التخيل. إلا أن المقاومة المشروعة الباسلة، نجحت فيما تفشل عن تحقيقه أعتى جيوش العالم وابرع سياسييه. وقد صيغ ذلك النجاح على أيدي جنوب أفريقيا: ابتداء من إقرار اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، ومن ثم إرغام الكيان الصهيوني المحتل على المثول أمامها للمرة الأولى على مر الصراع، ولوجا الى سرد عدالة القضية الفلسطينية على أكبر جمهور بالتاريخ، وانتهاء بما وصلت اليه المحكمة اليوم من قرارات تمثلت بإلزام الكيان المحتل بضرورة الالتزام بنصوص اتفاقية منع?الإبادة الجماعية مما يعني ضرورة وقف العدوان على المدنيين، وذلك بعد أن قامت بالتأكيد على نص المادة الأولى والثانية والثالثة والسادسة والتاسعة والتي في مضمونها تعاقب على عدم منع الإبادة الجماعية- مما قد يمس كافة دول الغرب المساندة للكيان؛ الى جانب تعريف الأعمال التي تدخل في طور الإبادة مع نهي الكيان الصهيوني عن القيام بها؛ انتقالا الى ضرورة إدخال كافة المساعدات الإنسانية اللازمة من مأكل ومسكن ودواء الخ- مما يستتبع قيام كافة الدول المعنية وبالأخص مصر والأردن بالمسارعة الى إدخال المساعدات مع ضرورة تسجيل أي محا?لات من الكيان المحتل لمنعها وإعلام المحكمة وجنوب أفريقيا بها بشكل رسمي؛ كما أكدت على تجريم محاولات الكيان المحتل لطمس الأدلة التي شهدها ويشهد عليها كافة المنظمات الدولية المعتمدة في الميدان؛ بالإضافة الى مطالبة الكيان المحتل بضرورة تقديم تقرير خلال شهر بكافة الإجراءات التي سيتخذها لضمان التنفيذ الفوري لما سبق- دون أن يعني ذلك تقاعس إسرائيل عن ضرورة التطبيق الفوري لكافة أوامر المحكمة أعلاه. وأخيرا، أبقت المحكمة الباب مفتوحا لحقها وواجبها بالتعامل مع كافة إخفاقات الكيان الصهيوني المحتل لتنفيذ تلك الأوامر- وذ?ك عند نظرها للدعوى الأساس في قادم الأيام.
وفي الختام، لم أجد صراحة بالحكم ما يعيبه بقدر ما استعرضت من نجاحات. بل إن العيب كل العيب يكمن في تقاعسنا، دون مبرر، عن الإتيان بما يلزم لممارسة الضغوط الشعبية والدبلوماسية العالمية اللازمة لضمان تنفيذه ومتابعة حياديته- بينما تتابع «إسرائيل» نبذ نفسها عن العالم الحر مضاعفة عبء الغرب المهيمن لمساندتها. وأكرر، كفانا جلدا وترقبا وكأننا مجرد جمهور على هامش الإنجاز الذي يسطره غيرنا، فقد حان وقت العمل.
محامي وخبير القانون الدولي