كتاب

ترابطية المياه والطاقة والغذاء والبيئة

عمدت العديد من الدول قبل جائحة كورونا، والتي لا تملك البيئة المناسبة للزراعة والإنتاج الغذائي، مثل المياه و التربة، الى الاعتماد على استيراد المواد الغذائية، او كما هو الحال في بعض الدول الى استئجار اوشراء الاراضي في دول أخرى الغنية بالمياه والقيام بزراعة احتياجاتها ونقلها عبر الحدود، وبالتالي دخلت عمليات النقل ضمن المدخلات الاساسية للانتاج. ولاشك بأن الجائحة، وما نتج عنها من إغلاقات وتعطل عمليات النقل العابر للحدود وارتفاع التكاليف وتأخر الوصول، قد أعادت صياغة مفاهيم متطورة للأولويات الوطنية لكل دولة وعلى رأسها مفاهيم الامن الغذائي الذي اصبح على رأس ألاولويات بحيث سعت العديد منها لإنتاج ما أمكن من غذائها ضمن حدودها الوطنية وتهيئة الظروف المناسبة لذلك.

وبالنتيجة، تعمّق الادراك بأهمية ارتباط الامن الغذائي بالمياه والطاقة وتأثرها بالتغير المناخي وبضرورة توفر مصادر للمياه والطاقة ضمن السيادة الوطنية يُعتمد عليها في استمرار واستقرار الامن الغذائي ولا تخضع للتقلبات السياسية والعوامل المناخية وغيرها لمواجهة التحديات الاقتصادية المرتبطة بالنمو السكاني المتزايد والتغير المناخي وانماط الاستهلاك. وتعتبر المياه عنصراً اساسياً ومهماً في هذه الترابطية لتأثيرها وتأثرها بالعوامل الأخرى. فالمياه، كعنصر اساسي وضروري للانسان والغذاء، بحاجة الى طاقة واستقرار بيئي يتيح كميات مطرية تغذي مصادر المياه وبالتالي تلبية الاحتياجات المتزايدة للإنتاج الغذائي.

ومع تزايد تحديات التغيرات المناخية والاجتماعية وشح المياه المتسارعة خصوصاً في منطقتنا، فإن الاردن بحاجة اكثر من اي وقت مضى الى تبني الترابطية كمنهجية مؤسسية تواجه هذه التحديات وتساهم في دعم امننا الغذائي والذي يشكل الدعامة الاساسية للتنمية المستدامة. وهذا بالتأكيد يتطلب التنسيق بين القطاعات المعنية وعلى كافة المستويات والعمل على تناغم المصالح فيما بينها لضمان استدامة وشمولية ادارة الموارد والحد من التأثيرات البيئية التي تعصف بمنطقتنا.

وتقع على عاتق الوزارات الممثلة لكل قطاع مسؤولية العمل على توفير البيئة المناسبة لتحقيق اهداف الترابطية والحد من تأثير العوامل الخارجية التي تضغط على الموارد. فالمطلوب الابتعاد عن العمل المنفرد في وضع الاهداف لكل وزارة بعيداً عن مصالح القطاعات الاخرى، وتكثيف العمل على التعرف على التحديات المشتركة ومعالجة الممكن منها ضمن مسؤوليات كل وزارة ممثلةً للقطاع المعني.

وبالرغم من ان وثيقة رؤية التحديث الاقتصادي الصادرة في حزيران 2022 لم تغفل عن اهمية الترابطية بين هذه القطاعات ودعت الى تأسيس هيئة او وحدة إدارية تقوم بالتنسيق بينها والعمل على تطوير المشاريع المشتركة، الاّ ان التحدي الاكبر امام هذه الوحدة يكمن في حوكمتها وآليات العمل والتنسيق ووضع منهجية إدارة الموارد المشتركة وتكامليتها بين القطاعات والاستخدام الامثل للتكنولوجيا والتقنيات الحديثة ومأسسة عملها والعمل على ملائمة السياسات والانظمة لكل وزارة مع اهداف الترابطية وتوظيف المشاريع المشتركة في خدمة الاهداف.

ومن المأمول بان يكون العمل على الترابطية وتأسيس الوحدة التي عُهد الى وزارة التخطيط بإنشائها وتسهيل مهامها وتذليل الصعوبات التي تجابه ولادتها وممارسة اعمالها، من الاولويات القصوى للحكومة وقيام كل وزارة ممثلة لقطاعات الترابطية القيام بالتغيير المطلوب والانتقال من الخطط القطاعية الى خطط عابرة للقطاعات لتعزيز الامن الغذائي الاردني. وهذا الجهد ليس بالهيّن ويتطلب التزاماً طويل المدى من القائمين على تلك القطاعات وإرادة سياسية تعمل على انجاحها.