هذا الإخفاء الذي تمثله وسائل الاعلام الغربية بانحيازها الكامل للرواية الاسرائيلية ما هو الا وجهًا من أكثر وجوه الكذب بشاعةً، وقد عكست احداث غزة بمشاهدها الدموية المريبة وعيًا متناميًا لدى الجميع بانخراط القنوات الغربية الأكثر مهنية -كما كنا–نعتقد سابقا في أفلام تزييف الحقائق ومجانبة الصّواب؛ وذلك سعيا منها لغسل الأدمغة وقلب للواقع؛ وبعد اكثر من 100 يوم من العدوان على غزة غاب التوازن في هذه الوسائل من خلال إتاحة المجال أمام أصوات مؤيدة للرواية الاسرائيلية، إلى حد ّ تبنيها ؛ وتبنت بالفعل الولايات المتحدة الا?ريكية وأوروبا الغربية الرواية الاسرائيلية التي قدمها رئيس ّ الوزراء بنيامين نتنياهو بما يتعلق ب(طوفان الاقصى)، ورددها اعلام منحاز بعيدا عن قواعد التحقق الصحفي والتأكد من المزاعم أو الصور والفيديوهات، وتغيب مقصود للصوت الفلسطيني او الطرف الاخر خارج سياق حقائق التاريخ وتصوير الصراع خارج حقائق التاريخ والاحتلال والتهويد والدمار؛ ما جعل تلك الوسائل تتحول الى منابر ومنصات اعلامية للعدوان الاسرائيلي. فهذه الوسائل التي تمد الجمهور بالمعلومات والحقائق بما كان يريدها السياسيون ومراكز القوة هناك في (إطار الدفاع عن ا?نفس) ومن هذه الوسائل (نيويورك تايمز، الغارديان، التايمز، وشنطن بوست، س إن إن، فوكس نيوز، بي بي سي) وغيرها.
صحيح أنَّ لهذه القنوات باعًا طويلًا في نقل الأخبار، وأنها تتمتع بمصداقيّة كبيرة حين يتعلّق الامر بمصالحها، ولم يقف الإعلام الرسمي الغربي عند حدود التعتيم والتضليل والكذب على ما يجري في غزة من جرائم إبادة، لا يقبلها الضمير الإنساني قط؛ بل إن هذا الإعلام صار الراعي الرسمي للرواية الاسرائيلية باعتباره انزلاقا بلاغيا خطيرا تُمحَى معه الخطوطُ الفاصلة بين المهنية والتضليل، وتارة (معاداة السامية) والإسلام والمُسلمين. بعدما كنا نظن أن هذا الاعلام قطع شوطًا في التطور والنزاهة.
وبذلك أسس هذا الإعلام المنحاز بشكل واضح في التأسيس لخطاب متطرف تملؤُه الكراهية والخلط والتعميم. وإلا فما الذي يجري على أرض الواقع، من المفترض يحسب على العمل الاعلامي المعتدل، بعيدا عن التلفظ بعبارات لا تقف عند حدّ تصوير الشعب الفلسطيني بـ(الحيوانات البشرية) وتصويره وحدة متجانسة لا يجمعها سوى معاداة السامية، بل تتعدّى ذلك إلى الهمز واللمز بالدول المجاورة، بوصفها المكان المناسب لاستقبال هذا الصنف من الشعوب، ثم الإشارة إلى وجود فئة عريضة من المواطنين داخل الدول الغربية ممن يحسبون على معاداة السامية.
ما يحصل ونتيجة هذه الممارسات الاعلامية التي تؤسس لخطاب كراهية يهدّد العالم بمزيد من العداوة والكراهية والتطرف احيانا لن يكون في صالح أحد وبما يصبّ الزيت على النار، ويهدم جسور التواصل بين مكونات المجتمعات الغربية والعربية المتعددة تعددًا عِرقيًا ودينيًا وثقافيًا. إن منع ظهور المناصرة للقضية الفلسطينية في بعض وسائل الاعلام الغربية دليل على تخبّط السياسات الاعلامية الغربية وانحيازها الأعمى الذي يخرج الموقف الأوروبي من دائرة الحياد باتجاه أفق غير واضح المعالم.
وما يصدر عن هذه الوسائل الاعلامية الصهيونية المتحكّمة اليوم؛ يدعو إلى القلق والتشاؤم والتفكير، ويعِد بمزيدٍ من فقدان الثقة بهذه الوسائل وان (فقدت) بالفعل، فإن ما يصدر عنها–هنا وهناك، من ردود أفعال غير طبيعية تشجب افعال (المقاومة) في فلسطين وهضم حقه بالدفاع عن نفسه ومصيره والمطالبة بحقوقه المشروعة، يعتبر جزءا من المشاركة الحقيقية في جرائم القتل والابادة بحق الأبرياء في غزة وباقي فلسطين المحتلة–ولا يبعثُ على الأمل، وهذا يدلل على استشراق نظام اعلامي يخلُف مزيدا من الكذب والزيف والدمار.
فتحليل الخطاب الإعلامي الغربي يَشي بأن أميركا وأوروبا تفقدان كل نقاط الحكمة والعقلانية للسير في طريق الحقيقة، ولذلك نراهما تتمسكان بسرديات هي أقرب إلى إمبريالية القرن التاسع عشر، منها إلى بلاغة جديدة تفتح أفقًا اعلامية تضمن التعايش بين مختلف مكوّنات العالم.
لذا جاء سلوك هذه الوسائل في هذه الحرب مغايرا تماما لكل القيم الاعلامية والمهنية والأخلاقية وبشكل واضح وثابت، على الرغم من وجود تاريخ طويل لها من الانحياز إلى السردية الإسرائيلية.