بين الحقيقة والخيال.. الكيان الإسرائيل أمام «العدل الدولية» بتهمة الإبادة الجماعية

تاريخ النشر : الجمعة 12:55 12-1-2024
بسام محمد ابو رمان

تسلط هذه الدراسة الضوء على الآلية التي تمكنت من خلالها دولة غير فلسطين، على إرغام الكيان الصهيوني المحتل إسرائيل، للمثول أمام العدل الدولية، والإقرار باختصاصها عنوة، ولأول مرة في تاريخ صراع فلسطين نحو الحرية، بتهمة يعتبر مجرد الإيحاء بها من قبيل الانتحار الدبلوماسي/السياسي، خاصة عند توجيهها ضد أي من الدول المهيمنة!

وبإيجاز، تعتبر جريمة الإبادة الجماعية من الجرائم الأكثر جسامة بين الجرائم التي تهدد الأمن والسلم الدوليين والتي تنتهك حقوق الإنسان للبشرية جمعاء. وبالتالي، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بالإجماع عام1946 يلزم الدول الأعضاء بمكافحتها. كما وتم لاحقا ابرام اتفاقية «منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها 1948» والمصادقة عليها 1951 من قبل 153 دولة حتى تاريخه- ومنهم إسرائيل عام1950 وفلسطين عام2014.

وللحديث عن جوهر تلك الجريمة، يجدر الإشارة الى أنها تعتبر من الجرائم التي تتطلب إثبات «القصد الجرمي الخاص». أي أنه لا يمكن اكتمال أركانها (المادي والمعنوي والعلاقة السببية) - كجريمة إبادة جماعية على وجه التحديد- ما لم يتم إثبات «القصد الخاص» المنوي تحقيقه من قبل مرتكب تلك الجريمة- والذي يجب أن يتجه لتحقيق (التدمير الكلي أو الجزئي) (لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية) من خلال أي من الأفعال التالية: أ. قتل أعضاء من الجماعة؛ ب. إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بهم؛ ج. إخضاعهم عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرهم المادي كلياً أو جزئياً؛ د. فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال بينهم؛ ه. أو نقل أطفالهم عنوة، إلى جماعة أخرى وفقا لنص المادة 2 من الاتفاقية.

ولإثبات الركن المادي للجريمة، نجد معظم الجرائم الموصوفة أعلاه، متحققة على أرض غزة- سواء من قتل ممنهج ودمار ومتفجرات لا تستثني المدارس ولا المستشفيات ولا دور العبادة. بالإضافة الى الحاق الأذى الجسدي والنفسي الجسيم وتعريض كافة سكان القطاع لظروف يستحيل التعايش معها- في ضوء قطع كافة مصادر الطاقة والماء والغذاء والمؤن والإسعاف ووسائل التواصل والفضاء الإلكتروني أو حتى الاستنجاد- الأمر الذي يؤدي الى حتمية الموت البطيء! أما بالانتقال الى إثبات الركن المعنوي والمتمثل بالقصد الجرمي الخاص؛ تأتي كافة التصريحات الواردة على لسان كبار ممثليه- كرئيسه ورئيس وزرائه ووزير دفاعه وقائد أركانه ووزير ماليته وغيرهم- وخاصة من تاريخ 7/10/2023- بخصوص كراهيتهم لشعب فلسطين ونعتهم بالحيوانات البشرية؛ لتثبت، بما لا يدع مجالا للشك، النية الجرمية لتحقيق (التدمير الكلي أو الجزئي) دون تمييز بين مدني وعسكري أو رجل وامرأة أو أطفال بكافة أعمارهم. وبالتالي، تثبت العلاقة السببية التي تربط بين كامل عناصر الركن المادي والركن المعنوي لجريمة الإبادة الجماعية من قبل إسرائيل.

أما من حيث استيفاء جمهورية جنوب أفريقيا لشرط «المصلحة» برفع تلك الدعوى في مواجهة الكيان المحتل، أمام العدل الدولية، على الرغم من أنها ليست طرفا بالنزاع؛ فقد تم التوصل اليه بعد الاستدلال بالقرار الصادر عن محكمة العدل الدولية في تموز/2022 بقبول الدعوى المقامة من غامبيا في مواجهة ميانمار عن جرائم الإبادة الجماعية في حق اقلية الروهنجا وما تعرضوا له من تهجير وقتل وتعذيب. وفي حيثيات تلك القضية، قامت ميانمار بالطعن بعدم اختصاص المحكمة وانتفاء «المصلحة» في حق غامبيا لرفع الدعوى. إلا أن المحكمة رفضت ذلك الطعن على اعتبار أن كلاهما طرف في الاتفاقية أعلاه. بل تم الاعتماد أيضا على أن مكافحة جريمة الإبادة الجماعية تعتبر ملزمة على الدول كافة لاعتبارها قواعد آمرة راسخة بموجب العرف الدولي.

وبالانتقال الى لائحة الدعوى المقدمة من جنوب أفريقيا، فقد جاءت على 84 صفحة بعد أن تم صياغتها بأسلوب مبسط غير قاصر على القانونيين لتفسيره. بل إنه قام بسرد رائع ووافي لتاريخ الصراع وتبويب الحقائق وايراد وسائل المساعدة من خرائط واقتباسات ذات علاقة مباشرة بمعاناة الشعب الفلسطيني. وكان أبرز ما يميز تلك اللائحة عدم استنادها الى أي تصريح و/أو تظلم صادر عن السلطة الفلسطينية أو المقاومة. بل قامت بإثبات دعواها من خلال الاستناد الى تقارير المنظمات الدولية وشهادات البعثات المستقلة المعتمدة والممثلة على أرض الميدان. وكذلك تميز طلبها المستعجل المقدم لغايات استصدار قرار آمر من المحكمة بوقف أعمال الإبادة بذات الإبداع والحجة التي يصعب صدها من حيث تأكيده على خطورة التأخر عن اصدار الأمر المستعجل في ضوء تأكيد كافة التقارير الدولية على عدم وجود مفر أو مكان آمن في كامل أنحاء القطاع بينما يتوالى تساقط القنابل التي تزن في متوسطها 1000كغم دون تمييز في مساحة محدودة مكتظة بالسكان كغزة!

بدأت المحكمة، منذ البارحة، بالاستماع الى مرافعة جنوب أفريقيا والتي استبسلت في دعم موقفها المنادي بإصدار القرار المستعجل أعلاه. كما وتخصص المحكمة اليوم للاستماع الى مرافعة الكيان المحتل والذي يطالب برد الدعوى بحجة نفيها أي نية من قبلها لارتكاب جريمة الإبادة؛ بل نعتقد بأنها ستقوم بتكرار سرديتها التي تعتمد على أكذوبة حق الدفاع عن النفس، في مواجهة الهجمات القادمة من حماس بصفتها هجمات إرهابية لا مقاومة شرعية. تنتقل بعدها المحكمة في الأيام القادمة، الى مداولاتها السرية والمغلقة؛ الى أن تقوم بإصدار قرارها بخصوص ما سبق في جلسة علنية. ومن المتوقع الإسراع في إصدار قرار المحكمة، خلال أسبوعين أو أقل، نظرا لفداحة الجرائم التي يشهدها العالم بأسرة دون رقيب حتى اللحظة ونسأل الله فيه التوفيق.

تذهب هذه الدراسة الى حد وصف دعوى جنوب أفريقيا في مواجهة إسرائيل، بأنها أكثر القضايا ثقلا في تاريخ محكمة العدل الدولية حتى يومنا هذا. ومرد ذلك الوصف يستند الى أن نطاق التكليف الوارد ضمن اتفاقية «منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها» لا يقتصر فقط على معاقبة الكيان الصهيوني المحتل «إسرائيل» عن قيامه بارتكاب هذه الجريمة على مر الساعات التي نعيشها اليوم دون رادع. بل أن نطاق التكليف نص بشكل صريح ابتدأ على التزام كافة الدول الأطراف في الاتفاقية باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة ل"منع» ارتكاب الجريمة من الأساس. وهو نطاق تكليف/التزام أشمل من مجرد المعاقبة. الأمر الذي يعني إمكانية لجوء أي من الدول الأطراف بالإتفاقية لمقاضاة الدول الغربية التي لا تزال مصرة على دعم الكيان المحتل بالمال والعتاد والمعلومات الاستخباراتية- وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وغيرها؛ على الرغم من يقينها- وفقا لواقع الحال الثابت على الأرض- من أن جرائم الكيان المحتل في حق غزة ترقي الى الإبادة الجماعية!

وبالتالي، وحتى على الفرض الساقط الذي اتبعته أغلب الدول الغربية في تبريرها للعملية العسكرية التي يشنها الكيان الصهيوني المحتل اليوم على «حماس» بنتيجة عملية «طوفان الأقصى"؛ وتغاضيهم عن كافة جرائم الاحتلال السابقة؛ إلا أنه كان يتوجب عليهم عدم السماح للكيان المحتل بالتذرع بتلك العملية لغايات ارتكاب الإبادة الجماعية بحق أهل غزة، دون تمييز. وقد تواصلت تلك الإبادة على مرأى ومسمع من العالم بأسره! ولذلك، وفي ضوء ما سبق، ترى هذه الدراسة اكتمال الأساس القانوني لمقاضاة كافة تلك الدول التي دعمت العملية العسكرية للكيان (سواء بالسلاح و/أو الأموال و/أو المعلومات التقنية والاستخباراتية) أمام محكمة العدل الدولية. وهو الأمر الذي سيثبت تلقائيا بمجرد صدور قرار بإدانة الكيان المحتل بتلك الجريمة بإذن الله.

وفي الختام، ترى هذه الدراسة عند تحليلها لتطور الأحداث حتى اللحظة، أن عزوف دول صديقة معينة عن الالتحاق بجنوب أفريقيا في هذه المرحلة من الطلب المستعجل، تعود بشكل جوهري الى حرصها أساسا على عدم إطالة أمد التقاضي والاستماع الى المرافعات التي ستكون تلك الدول مضطرة الى تقديمها؛ في حين يحتفظ الكيان المحتل إسرائيل بحقه بالرد على كل منها بشكل مستقل- مما يعني بالضرورة المزيد من أسابيع المعاناة التي يتعرض لها أطفال غزة وحرائرها والكُهَال. وفي هذا الخصوص، ولغايات محاولة إيفائها ولو بالنذر اليسير من العرفان، يغدوا من الضرورة بمكان، التأكيد على أن ما قامت به جمهورية جنوب أفريقيا من تحد لما يزعمه الغرب المهيمن من امتثال زائف لقيم العدالة الإنسانية، وعدم التمييز، واحترام الروح البشرية وحقها في تقرير المصير، هو عمل بطولي يرقى بلغة الدبلوماسية الغربية المهيمنة، الى حد الانتحار السياسي. إلا أنه غير مستغرب من جمهورية جادت بمن هم مثل نيلسون مانديلا من الأحرار الأحرار، وما فتئت تجود بالمزيد. عمل لا يقل بطولة عن ما صدر من نية لدى المملكة الأردنية الهاشمية لموافاة الركب بإذن الله.

محامي ومستشار قانوني وسياسي

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }