كتاب

المياه.. بين مطرقة غزة وسندان نقص الكميات

جاءت أحداث غزة المؤسفة وما يمكن ان ينتج عنها من تبعات جيوسياسية على المنطقة بشكل عام وعلى الاردن بشكل خاص لتضيف عبئاً اضافياً على قطاع المياه في الاردن والذي يعاني ما يعانيه من تحديات مزمنة تتمثل في نقص الكميات وتزايد الأعباء الادارية وتغيير الادارات وتناقص الكفاءات العاملة.

ولو نظرنا إلى كميات المياه المستخدمة في الاردن لأغراض الشرب حالياً والبالغة حوالي 500 مليون متر مكعب سنويا، لندرك ان حوالي 20% منها (100 مليون متر مكعب) يأتي من بحيرة طبريا، سواء كانت من خلال معاهدة السلام الموقعة عام 1994 والتي تزود الاردن في احسن الحالات بحوالي 50 مليون متر مكعب او من خلال اتفاقية شراء 50 مليون متر مكعب سنوياً ولمدة 3 سنوات تنتهي في شهر ايار 2024 والتي يصبح امر تمديدها مرهون بالاوضاع السياسية التي ستنتج عن احداث غزة.

وفي السيناريو الاسوأ، يمكن ايضاً ان يكون تزويد كميات المياه بموجب معاهدة السلام في موضع شك إذا ما استمرت الحرب واخذت ابعاداً اقليميةً اخرى، مذكرا بأن الاردن قد أعلن بانه اذا ما لجأت اسرائيل الى التهجير القسري، فإن ذلك يعد خرقاً لاتفاقية السلام مما يمكن ان يترتب عليه الغاء الاتفاقية او اتخاذ اجراءات من الطرفين قد تلجأ اسرائيل الى ان يكون وقف التزويد المائي الى الاردن احداها.

وتتكون اهم مصادر المياه التقليدية في بحيرة طبريا من مياه الامطار والمياه المنسابة من جبل الشيخ والجولان ونهر اليرموك وروافد نهر الاردن العليا والاودية الجانبية. وحديثاً اعتبرت اسرائيل ان بحيرة طبريا هي مخزن استراتيجي طبيعي للمياه واصبحت تضخ فيها مياه البحر المحلاة والفائضة عن الاستخدامات بهدف تخزينها وتحسين نوعية المياه فيها وانشأت نفق ضخم ناقل للمياه يبدأ من الجنوب ويصب شمالاً في البحيرة (الناقل الوطني الاسرائيلي) ويغذي هذا النفق الخطوط الرئيسية على طول مساره. وتخطط اسرائيل لإنشاء خط رئيسي لنقل المياه من ?لبحيرة جنوباً في وادي الاردن تستخدمة للتوسع في الزراعة في الوادي ولذلك تسعى الى ضم الاغوار الفلسطينية الى اسرائيل.

ولحين الانتهاء من الخط الرئيسي في وادي الاردن، وفي المواسم المطرية الجيدة، يكون بيع المياه الى الاردن مصلحة اسرائيلية تجارية لتفادي إحتمال إسالة الفائض من المياه في نهر الاردن.

وبالتأكيد، فإن قرار تمديد اتفاقية بيع المياه الى الاردن بعد شهر ايار 2024 او حتى الاستمرار في تزويدها بموجب اتفاقية السلام هو قرار سياسي بامتياز يخضع للأعتبارات الجيوسياسية ولطبيعة العلاقات الاقليمية والمحلية الجديدة التي ستُشكل ما بعد حرب غزة.

اما موضوع مشروع المياه مقابل الطاقة، والذي اعلن الاردن تجميده بسبب احداث غزة، فإنه وحسب ما اعلنه وزير المياه السابق المهندس محمد النجار في مجلس النواب، لم ولن يكون مشروعاً استراتيجياً او بديلاً لأي مشروع وطني للتزويد المائي في الاردن، بل مشروعاً اضافياً يتيح كميات مياه تسمح بوقف الضخ من بعض المصادر المائية الجوفية فترة من الزمن لتتعافى ولرفدها بمياه الامطار والمحافظة عليها من الضخ الجائر. وبالتالي، سواء تم تنفيذ هذا المشروع مستقبلاً ام لا، فإن الاردن يمكنه ان يستعيض عنه بمشروع وطني آخر يتم تنفيذه قبل 2040.

إن احداث غزة تفرض على الحكومة وضع الخطط لمواجهة كافة الاحتمالات الممكنة بما فيها قطاع المياه ووضع البدائل والسناريوهات المحتملة وخطط طوارئ مناسبة خصوصاً لحين تنفيذ مشروع الناقل الوطني والبدء بتشغيله. إن هذه الاحداث مناسبة لاستخلاص العِبر والإستفادة منها والتي تحتم تأهيل مؤسساتنا وخصوصاً العاملة في قطاع المياه واجراء نقلة نوعية فيها يمكن ان تتمثل في:

ضرورة بناء استراتيجياتنا استناداً الى الامكانيات المتوفرة والمشاريع السيادية الوطنية. وهذا لا يعني عدم الاستفادة من الفرص المتاحة للحصول على موارد إضافية لا تدخل في حساباتنا الوطنية الاستراتيجية.

إعادة ترتيب قطاعاتنا ومنها قطاع المياه والذي يحتاج الى إعادة نظر وافكار خارج الصندوق في طريقة إدارته وإعادة هيكلته بما يضمن تعزيز اشراك القطاع الخاص في تمويله وإدارته والمساهمة في تملك بعضاً من أصوله.

وضع الاطار المؤسسي الضامن لاستقلال قطاع المياه الإداري واستقراره

ضرورة وضع اطار رقابي مستقل لتنظيم هذا القطاع ضمن تشريع خاص يوضح مهامه ومسؤلياته اسوة بهيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن وهيئة تنظيم الاتصالات.

وضع اهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة الاجل لمؤسسات قطاع المياه، وأولها شركات المياه، مع مؤشرات اداء محددة وواضحة وقابلة للقياس.

وضع خطط عابرة للحكومات تخلص هذا القطاع الهام من اعباء الديون وتحسين الخدمات وتقليل الفاقد ورفع كفاءة التشغيل والصيانة ورفده بالكوادر المؤهلة القادرة على النهوض به،

وضع الخطط الفاعلة للاستفادة من توفر التمويل غير المسبوق من المنح والقروض المتوفرة لقطاع المياه والتي تقدمها الدول الصديقة والتي يتوجب الاستفادة منها والتأكد من تحقيق اهدافها التي قُدمت من اجلها وقياس مدى فاعليتها والبحث في اسباب فشل بعضها. وهذا يعد من الاولويات التي يجب التركيز عليها حتى ننهض بهذا القطاع الهام ونستفيد من التمويل الذي يخصص لهذا القطاع.

ختاماً، إن أحداث غزة ستفرز وضعاً جيوسياسياً جديداً على كافة الاصعدة يتطلب منا العمل الجاد للتأهيل للمرحلة القادمة والاستعداد لجميع المتغيرات المتوقعة وعلى جميع القطاعات.