يأتي اليوم العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من تشرين الأول/ديسمبر هذا العام ليتبادل فيه المدافعون والمشتغلون بحقوق الإنسان التعازي والمواساة بعد أن جاءت مواقف معظم الدول الأروبية والإدارة الأمريكية من الحرب على غزّة ورفض إدانة قتل الأطفال والمدنيين بالآلاف وفشل مجلس الأمن المتكرر في الوصول إلى مجرد صيغة قرار متوازن أخلاقياً وليس سياسياً يدين قتل 18000 مدني ثلثيهم من الأطفال والنساء؛ ليكون بمثابة نعي للمبادئ والمفاهيم التي طالما تفاخرت حكومات هذه الدول بتبنيها والعمل على ترسيخها «في أرجاء المعمورة»، مما شكّل صفعةً قويةً للمشتغلين في مجال حقوق الإنسان، حيث شعروا بما يشبه الهزّة الأرضية المدمرة التي أصابت إيمانهم بمواثيق حقوق الإنسان وفاعليتها من الجذور.
تنفق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والاتحاد الأروبي ووكالات التعاون الدولي الأوروبية مئات الملايين من الدولارات واليوروهات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على دعم تعزيز منظومة حقوق الإنسان والسلام والحوكمة والشفافية على مستوى الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، لكن هذه الملايين ذهبت أدراج الرياح منذ بدء الحرب على غزّة وسقطت معها مفاهيم ومبادئ لطالما شكلت جوهر اتفاقيات الدعم والتمويل من قبل تلك الوكالات المانحة.
ألغت العديد من منظمات المجتمع المدني في الأردن ودول المنطقة نشاطات وفعاليات تتعلق بحقوق الإنسان من بينها الفعاليات الخاصة باليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يصادف في العاشر من ديسمبر، وكذلك قامت العديد من المنظمات بإعادة جدولة نشاطات مشاريعها لأنها تستشعر حرجاً كبيراً من التحدث عن اتفاقيات حقوق الإنسان والشرعة الدولية في قاعات تتوزع فيها بانرات تحمل شعارات وكالات دولية أميركية وأروبية حجّ رؤساؤها ووزراؤها إلى إسرائيل مرات عدة خلال شهر أكتوبر ونوفمبر ليعبروا عن التعاطف والدعم المطلق للعمليات العسكرية في غزّة دون أي إدانة ولو غير مباشرة لقتل المدنيين واستهداف المستشفيات والبنية التحتية في القطاع.
مع تزايد الغضب والشحن العاطفي الذي طال الشارع ومعظم النخب في الدول العربية، بات الحديث عن حقوق الإنسان بمثابة انفصال عن الواقع من وجهة نظر الكثيرين وأصبح مجرد ظهور شعار الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي أو الاتحاد الأروبي أو GIZ وغيرها على مطبوعات أو في غرفة اجتماعات ممارسةً استفزازيةً وخطوةً تهدد سمعة كل من يتلقى تمويلاً أو يشارك في نشاطات تدعمها هذه الجهات.
يشعر كثيرون من المدافعين عن حقوق الإنسان في المنطقة بالخذلان وخيبة الأمل بل وربما الشعور بالذنب من تصديقهم وتعاونهم خلال الفترات الماضية مع وكالات التعاون الدولي الأروبية والأمريكية لأنهم لا يستطيعون أن يجدوا تفسيراً يقنعهم بهزلية المشهد الذي ساد جلسات مجلس الأمن وتصريحات وزراء خارجية تلك الدول ورؤسائها الذين يلومون الدول العربية والسلطة الفلسطينية على عدم إدانة هجوم حماس يوم السابع من أكتوبر بعبارات واضحة بينما هم يمتنعون عن إدانة المجازر التي ترتكب ضد المدنيين في غزّة ولو بعبارات خجولة بل يجد بعضهم لها تبريراً ومسميات مهينة مثل «الأضرار الجانبية وثمن إرهاب حماس».
لقد خاض المدافعون عن حقوق الإنسان في المنطقة العربية نضالاً طويلاً وما يزالون لترسيخ ثقافة العدالة والديمقراطية والتعايش والتسامح، وكانت حكومات هذه الدول تعتبرهم معارضةً مزعجةً وتتهمهم بتهم عديدة من بينها «العمل لحساب أجندات أجنبية.. تعمد إفساد المجتمع والعبث بقيمه الدينية والثقافية.. تنفيذ مؤامرات تستهدف الهوية الثقافية..»، لتأتي الدول التي ظنّ هؤلاء أنها معقل الحريات والديمقراطية وإرساء السلام لتخذلهم وتتركهم يواجهون موجات من الشماتة والاتهامات من الشارع الغاضب والمؤسسات الرسمية التي قد يستغل بعضها هذه الأجواء المشحونة لتصفية حساباتها مع ناشطين حقوقين ومنظمات حقوق إنسان، فتنعى عليهم «زيف دعواتهم وعملهم الحقوقي» بسبب انحياز حكومات الجهات المانحة إلى إسرائيل على حساب القانون الدولي الإنساني والشرعة الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات حقوق الإنسان الأساسية وقرارات مجلس الأمن التي تحتاج لملايين الجالونات من الماء لتنظيفها من الغبار الذي يعلوها منذ عام 1948 وحتى الآن.
في لقاء مع مجموعة من طلبة المدارس سألتني طالبة في الصف العاشر وطالب في الصف السابع: «لماذا بدأت الحرب في غزّة؟»، فأجبتهم الإجابة المباشرة دون تبرير أو مواربة وقلت لهم أن الحرب اشتعلت بعد هجوم حماس يوم السابع من أكتوبر. فسألوني: «هل ال 18000 الذين قتلوا هم من حماس؟ وهل المنازل المدمرة التي نراها في الأخبار هي لحماس؟»، فكانت إجابتي بالنفي، ليأتي السؤال الفطري التلقائي «إذن بأي ذنب يموت هؤلاء؟»، ولا أظن أن أحد لديه إجابة سوى رئيس إسرائيل الذي قال منذ بداية الحرب «أن المدنيين في غزّة ليسوا أبرياء تماماً فهم مسؤولون لأنهم لم يثوروا ضد حماس».
كيف يمكن أن نقنع هؤلاء الأطفال بجدوى اتفاقيات حقوق الإنسان وأنها محمية من التسيس وأن سيادة القانون تسري على الأفراد والدول دون تفرقة وأن حقوق الإنسان عالمية ولا تقبل التجزئة؟ يبدو هذا الأمر في ظل هكذا سياق متناقض وغارق في النفاق أشبه بالمهمة المستحيلة.
لدى إسرائيل ما تقوله لأطفالها من مبررات لقتلها هذا العدد الكبير من المدنيين سواءً كان من خلال تفسيرها الخاص لحق الدفاع عن النفس أو من خلال استرجاع بعض النصوص الدينية التي قرأ جزءً منها بنيامين نتنياهو وهو يعلن الحرب على غزّة وكانت تتحدث عن «العماليق الذين يطلب الله من عباده في العهد القديم قتلهم وقتل أطفالهم والرضع فيهم وحميرهم». وسوف يجد المتطرفون في الدول العربية والإسلامية مبرراً لكل عملية قتل ترتكب ضد المدنيين المخالفين لنا أو غير المتفقين معنا، فلن يعدم هؤلاء حيلةً ليعثروا على ما يؤيد كراهيتهم للمخالف وعدم التسامح معه.. لتبقى مبادئ حقوق الإنسان وما بني عليها من اتفاقيات بمثابة الطفل الذي فقد أهله وأصبح وحيداً تتقاذفه التيارات المتطرفة من كل جانب.
لقد ارتكبت ضد حقوق الإنسان مذبحة حقيقية خلال هذه الحرب وهتزت ثقة أقوىة المؤمين بها فيها وانجرف كثير من اليساريين واللبراليين مع تيار التشدد وهؤلاء تثبت التجارب أنهم يصبحون أشد تطرفاً من غيرهم لأنهم يشعرون بمزيج من الخذلان وخيبة الأمل وأنهم خدعوا لسنوات من قبل دول وجهات حملت شعلة العدالة والمساواة وعدم التمييز ثم سرعان ما أطفأتها مع أول امتحان أخلاقي حقيقي كشف عن نفاقها وازدواجية معاييرها.
يحتاج المدافعون عن حقوق الإنسان في هذه المنطقة إلى عملية إعادة تأهيل طويلة لترميم علاقتهم المنهارة بالمفاهيم والقيم التي دافعوا عنها لعقود وتحملوا بسبب ذلك الكثير من التضييق والاضطهاد، وهم بعد ذلك بحاجة لوقت أطول لترميم علاقتهم بالفئات التي كانوا يستهدفونها لإحداث تغيير قيمي في المجتمع، وربما عليهم التفكير في حلفاء حقيقيين وأكثر صدقاً لاستكمال مسيرتهم لتعزيز وترسيخ وتفعيل مبادئ العدالة ومناهضة التمييز والتسامح وقبول الآخر في مجتمعاتهم.
في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، بينما تتهاوى نماذج تبين زيفها في هذا المضمار، نحتاج إلى رؤية الخيط الرفيع الذي يفصل بين مضامين وقيمة تلك الحقوق وبين من خانوها لكي لا ننقلب على الحق بسبب من أرادوا به الباطل.