إن قضية التربية وإخراج أطفال أسوياء أصبحت من أحلك الأمور، حيث قدم العلماء والباحثون في شتى الميادين البحوث والدراسات في المشاكل التربوية ؛أسبابها والطرائق الوقائية والعلاجية ولعل من أبرز هذه السلوكيات السلبية، السلوك العدواني ولقد ارتفعت نسبة هذا السلوك بين شتى الفئات العمرية إذ أن هذا السلوك لم يعد يقتصر على مرحلة عمرية محددة وإذا ما بحثنا في تعريف محدد لهذا السلوك: لوجدنا أن كل سلوك ينتج عنه إيذاء الذات النفسي أو الجسدي نحو النفس أو الآخرين أو الممتلكات، ولقد تم تحديد أنواع السلوك من خلال التعريف حيث ينق?م إلى السلوك العدواني الجسدي واللفظي والبيئي.
اتفق جميع الباحثين والتربويين بأن السلوك العدواني هو إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي بالنفس أو الآخرين أو الممتلكات، أي أننا نؤمن بأن الأطفال يولدون على الفطرة السوية، وأنّ أي سلوك غير سوي إنما هو نتاج ما غرسه الوالدان والمجتمع ووسائل الأعلام والأقران، فأن من أهم الأسباب التي تؤدي إلى السلوك العدواني هي:
1- أسباب بيولوجية فقد أثبتت الدراسات والأبحاث بأن الذكور أكثر ميلًا للعدوان من الإناث ويعزى السبب إلى هرمون الذكورة.
2- أسباب أسرية وتنقسم إلى عدة أسباب منها:
• المشاكل الأسرية عندما ينشأ الطفل في أسرة مليئة بالمشاحنات ويشاهد السلوك العدواني سواء كان جسديًّا أو لفظيًّا بين الوالدين فقد يكون هذا أحد الأسباب لممارسة الطفل لهذا السلوك.
• القسوة الزائدة قد يمارس بعض الوالدين القسوة على أبنائهم سواء قسوة مادية أو معنوية فتؤدي إلى ظهور السلوك العدواني لدى الأطفال.
• الدلال الزائد من الأهل فقد أمرنا ديننا الحنيف بالوسطية والاعتدال في كل أمورنا وميزنا بذلك عن الأديان الأخرى حتى في العبادات،فالدلال المفرط وتلبية رغبات الأبناء بشكل مستمر ؛ قد يؤدي إلى السلوك العدواني في حال عدم القدرة على تلبية الأهل أو المجتمع لرغباته،ويتمثل ذلك بطرح الطفل نفسه على الأرض أو رطم رأسه بالحائط أو إتلاف بعض الممتلكات.
• التحكم الزائد من قبل الوالدين وعدم ترك مساحة من الحرية،فيؤدي ذلك إلى السلوك العدواني.
• الحرمان بشقيه الحرمان المادي وعدم تلبية أي رغبة مادية للأبناء دون مبرر لذلك الحرمان، والحرمان المعنوي (العاطفي) فالطفل يحتاج إلى أن يشعر بحب والديه وحنانهم وتقبيلهم له، فعدم تلبية حاجات الطفل من الحب والحنان؛ يؤدي إلى ظهور السلوك العدواني.
• عدم المساوة والعدل بين الأبناء،سواء أكانت عدم المساوة التي تعزى إلى الجنس أو الذكاء فلقد قال رسولنا الكريم: (اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم) ومن صور العدل حتى في القبلة والحضن بالإضافة إلى العدل المادي،فكثير من السلوكيات العدوانية سببها الرئيس هو عدم العدل.
• التنشئة الاجتماعية التي تقوم على أخذ الحق باليد وفض المنازعات بالقوة.
3- أسباب تتعلق بالطفل نفسه.
• الشعور بالدونية ويشعر الطفل بأنه أقل من إخوته وزملائه بالمدرسة سواء أكان ذلك بسبب التحصيل الدراسي أو الذكاء أو المستوى الاجتماعي والاقتصادي؛ قد تعزى هذا الأسباب إلى ظهور السلوك العدواني.
• حب الظهور ولفت الانتباه عندما يشعر الطفل بالإهمال يلجأ إلى السلوك العدواني من أجل لفت الأنظار، حتى لو أدى ذلك إلى عقابه.
• الفشل و الإحباط أي عندما يتعرض الطفل للفشل دراسيًّا أو في أي مهمة يكلف بها قد يؤدي ذلك إلى السلوك العدواني.
• عدم الثقة بالنفس وهو أحد الأسباب التي قد تؤدي إلى السلوك العدواني.
4- أسباب تتعلق بوسائل الأعلام.
• شاشة التلفاز: يشاهد الطفل السلوك العدواني منذ نعومة أظافره وهو يشاهد السلوكيات العدوانية ابتداء من توم وجيري وغيرها من أفلام الكرتون التي أثبت أن العديد من الأطفال يكتسبون السلوك العدواني من خلال هذه النماذج.
• الهاتف المحمول: العديد من الألعاب المتاحة على الموبايل تحتوي على العدوانية والقتال والتفجير والدم مما جعل الأطفال يألفون هذه المناظر ويقومون بتقليد العديد منها.
5- أسباب تتعلق بالمدرسة.
• الظلم: يقع على بعض الطلبة ظلم في المدرسة سواء من المعلم،أو المدير، أو الأقران؛ مما يؤدي إلى السلوك العدواني.
• الأقران: يشجع الأقران بعضهم على ممارسة السلوك العدواني وخاصة في مرحلة المراهقة، حيث يمثل العدوان عندهم على أنهم وصلوا إلى مرحلة النضوج.
وللحد من السلوكيات العدوانية يجب أن يكون هناك تكافل بين الأسرة والمدرسة ووسائل الأعلام ودور العبادة،ومن خلال الأسباب نتوجه إلى العلاج والخطوة الأهم في العلاج هي أن ينشأ الطفل في بيئة آمنة مستقرة تسودها المحبة و الاحترام،وعدم إثارة المشاكل وخاصة أمام الأبناء،وتعليم الأطفال الحوار، وتقبل الرأي الآخر، والتفاوض، والتسامح، والاعتذار، والعفو عند المقدرة، وضبط النفس وعدم التسرع،وتحمل مسؤولية أفعالهم، ومشاركة الطفل في الشؤون الأسرية والاستماع إلى رأيه،وإشباع حاجات الطفل المعنوية من الحب، الحب، ويجب التعبير عنه بال?شياء المعنوية كالمصارحة بالحب بإخبار الأبناء عن مدى اشتياقنا لهم بتقبيلهم، ولا يقتصر الحب فقط على الحاجات المادية، مع التأكيد على تلبية الحاجات المادية قدر الإمكان وعدم وعد الطفل بأشياء لا نستطيع تلبيتها حتى لا نفقد ثقتهم، ونراعي العدل والمساواة بين الأبناء وعدم عمل مقارنات بين الأبناء أو الأقارب أو الأقران لأن ذلك يولد الحقد والكراهية ومن ثم تظهر هذه المشاعر من خلال السلوك العدواني.
غرس الثقة بنفس الطفل وتشجيعه وتنمية مهاراته وإشباع حاجاته من الحب والتقدير، وتشجيعه على ممارسة رياضة معينة، وأخذ النفس بالطريقة الصحيحة وممارسة المشي، وكذلك من خلال الرسم، وتدريب الطفل على تصحيح أخطائه من خلال الاعتذار، أو الحرمان من أشياء مفضلة بالنسبة له من غير الأساسيات، مع توضيح سبب الحرمان، ويتمثل ذلك من خلال العمل على تقليل مشاهدة التلفاز، حيث أثبتت الدراسات بأن الأطفال الأقل من ثلاث سنوات يجب ألا يشاهد التلفاز وألا يستخدم الهاتف المحمول نهائيًّا، وبعد عمر ثلاث سنوات يمكن إتاحة ذلك للطفل ولكن بشكل مق?ن وعلى فترات متباعدة مع الحرص على ما يشاهده وحبذا لو كان بمشاركة الأم أو الأب، فعندما يبدأ الطفل بممارسة السلوك العدواني لأول مرة نركز على ردة أفعالنا عندما نضحك أو نتجاهل فهذا يعني موافقتنا على السلوك، ونحرص على عدم التناقض، أي لا نرفض السلوك العدواني من أبنائنا ونقوم به نحن، إذا حاولنا بكل الطرق ولم نستطع الوصول إلى حل يجب مشاركة الأخصائي النفسي حتى لا تتفاقم المشكلة وأن يكون هناك تعاون بين الأسرة والمدرسة وكافة المؤسسات التربوية، داعية المولى السلامة للجميع وأن يحفظ أبناءنا.