«المجتمع المثالي» أكثر ما يتردد هذا المصطلح في المدينة الفاضلة للفيلسوف افلاطون عندما تكلم عن مدينته المشنودة، وهي المدينة التي تخلو تماما من السوء والاساءة والظلم والقسوة ويملؤها الفرح والسرور والسعادة والهناء، وهي الخالية من أي مشاكل اجتماعية، فالجميع هنا طيبون متعاونون احباء متجاورون لا أحد يؤذي أحداً بكلمة ولا بنظرة ولا يظلمه ولا يسلبه حقه في السعادة والفرح والشارع بل يسخر كل طاقاته وامكانياته لاسعاد الاخرين.
وهنا يأتي التساؤل:- هل نستطيع كدولة أن نضع تصور شمولي وتقريبي لتشكيل تركيبة اجتماعية قريبة من صفات المدينة الفاضلة؟ وهل فكرنا يوما بأن نشكل مدينة فاضلة بكل ما تعني الكلمة من معنى؟ اعتقد ان البعض سيسخر من هذا الطرح بل وينعت الكاتب بالهلوسة او ضرب من الجنون؟ لكني انا كشخص أعتقد أن بامكاننا أن نصبح مجتمعا مثاليا. لكن بشرط أن نعي ما هو الدور الذي يمكن يؤديه كل شخص منا بالمدينة الفاضلة، وكيف ستكون حياتنا في فالمجتمع المثالي؟ ما هو وضع الجيران في هذا المجتمع؟ وما دور كل مؤسسة من مؤسساتنا لا سيما التعليمية والتربوية والشبابية؟ وما هو النظام الاقتصادي للمجتمع؟ وما شكل الخدمات والمرافق والبنية التحتية لهذا المجتمع؟ وما هو شكل النظام السياسي فيه؟ وما الدور الذي سيقوم به النظام السياسي في هذا المجتمع؟ وفي الحقيقة من السهل أن تتخيل كل شيء يخطر على بالك الآن أو في المستقبل؟ وهنا يأتي سؤال صعب جداً أو يطرح نفسه، كيف يمكن أن يتحول هذا التخيل إلى حقيقة أو كيف نجيب على الأسئلة السابقة إجابة عملية على أرض الواقع؟ لأن الفكرة أو الحل أو الوضع الذي قد يكون مناسباً أو مميزاً أو رائعاً في الوقت الحاضر يمكن أن يكون سببا لنجاحنا في المستقبل القريب لأن المستقبل يمكن التنبؤ به، كما يجب ألا ننسى أن البشر جبل على حب الخير رغم صنوفه وتنوعه، وأينما وجد الاختلاف والتنوع وجد احتمال التقارب والكمال وايضا التعارض والتصادم والصراع والمنافسة، وعندما نتصور المجتمع المثالي فذلك يعني أنه يجب أن يسود التفاهم والانسجام والتآلف في المجتمع وليس الاختلاف والتصادم والصراع. والتعليم والتربية من أهم الطرق التي يمكن من خلالها أن نقلل من نتائج التنافس والاختلاف أو التصادم وآثاره السلبية، لأن التعليم يساعد على الادارك والفهم والتوزان والخير ومعرفة الجوانب المختلفة لأي موضوعٍ او قضية، كما يساعد على الاستفادة من الآراء والحوارات المطروحة فضلاً عن تقبل الاخر بكل الاختلاف والتعايش السلمي معه، وبالتالي سيشجع التعليم على التسامح الذي سيساهم بدوره في تحقيق المجتمع المثالي المنشود في المدينة الفاضلة المنشودة، والشيء المهم الذي يمكن أن يفعله المجتمع في الوقت الحاضر للنهوض بالأجيال المقبلة في المستقبل هو أن نربي قادة المستقبل وتؤسسهم الدولة على الإدراك والوعي بكل المخاطر والظروف التي تهدد المجتمع وتؤدي إلى التناحر والانقسام، كما يجب أن نمكنهم ونساعدهم على اختيار أفضل الأوضاع والخيارات المرتبطة بمختلف الوسائل والأنظمة والشرائع التي ترتقي بالمجتمع والتعامل معها، لأن جميع حالات التذمر والشكاوي والاحتجاج والتمرد على كل ما يحدث في الوقت الحاضر تعود أسبابه إلى الجشع والاستبداد والفساد والظلم الذي تغرق فيه المجتمعات الحالية، وتعتمد على مبدأ التسلط والقهر، ومسؤوليتنا تجاه أبنائنا يجعلنا نبحث عن الطرق المناسبة لتحقيق المجتمع المثالي لهم، دون أن نفرض عليهم الطرق التي يجب عليهم أن يتبعوها في قيادة المجتمع وبنائه ونمائه وتطوره وازدهاره وخلق حالة تطورية لاحياء النشاط الفكري البناء والعلم.
ختاما إن المجتمع المثالي «يوتوبياً» يعتبره البعض من ضرب الخيال لكننا نشهد مثيله في بعض الدول المتحضرة التي تكاد تخلو من السجون والسجناء، ويمكن تخيل بالوقت الراهن مجتمع يتكون من مستويات راقية ومتقدمة من الإدراك والوعي والاحترام والحب والسعادة والبعد عن كل المزالق والمخاطر التي تهدد المجتمع وتؤدي إلى التفكك والانقسام والفساد والظلم والتعاسة، والقدرة على إيجاد الوسائل واختراع البدائل وابتكار الحلول للتغلب على تحديات التنمية.اذا لا شيء مستحيل؟.