للإعلام أدوار أكبر مما يتصوره البعض، فهو لم يعد ذلك الخبر المقيد، ولا المذاع المجرد، بل تجاوز الحدود ليصبح أحد أساسيات الحياة التي لا يستغني عنها شخص؛ وللأسف ما زال البعض يعتقد أن بإمكانه احتكار الكلمة واخفاء الحقيقة التي بالواقع لم تصبح حكرا لسلطة أو حكومة أو وزير أو مؤسسة، بل هي الكلمة التي أصبحت أسرع من البرق تقطع المسافات وتدخل الحدود والبيوت دون استئذان، -هنا مربط الفرس-؛ فمن يؤمن بهذه النظرية: أن الإعلام كالرصاصة بقوته وسرعته وتأثيره يستطيع أن ينجح في إدارة دفة الإعلام بكل شفافية وصراحة بعيدا عن الضب?بية والتضليل؛ لذا فقد دأبت الدول الغربية على الاستثمار في الإعلام انطلاقا من إيمانها بقوته وتأثيره وسلطته وحضورها؛ فاستثمرت كثيرا من الأموال في بناء قوتها الإعلامية وإنشاء مؤسسات صحفية تحقق أهداف سياساتها المحلية والخارجية على حد سواء، إلى جانب التأثير في اتجاهات شعوبها وشعوب دول العالم حيالها.
وهذه الوسائل الإعلامية الموجهة إلى الشعوب تسهم إلى حد كبير في إدارة حضور الدولة على المستوى المحلي من خلال تسويق منجزاتها ونقل رسالتها وإقناع الرأي العام في ذلك، والمستوى العالمي في الدفاع على وجودها.
لذلك تركز الدول الغربية المتفهمة لتلك الحقيقة كالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا مثلا على التأثير في شعوب دول العالم باستخدام الشبكات الإذاعية والقنوات التلفزيونية لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية وتسويقها بالشكل الذي يحقق مبتغاها، إلى جانب بناء قوتها الناعمة.
ولكن ورغم ادعاءات هذه الشبكات والمحطات بأنها تلتزم بالموضوعية والحياد والتوازن، فإن تحليل مضمونها يثبت ارتباطها بالسياسة الخارجية لدولها، وأنها أداة لتحقيق أهداف هذه السياسة، لذا فإن إعادة النظر بدور الإعلام الوطني يمكن أن يسهم في تطوير علم الدبلوماسية الإعلامية كونها مجالا حيويا جديدا يرتبط بعلم الدبلوماسية العامة، لكنه يمكن أن يقوم على مناهج ونظريات جديدة تتناسب مع تحديات القرن الجديد.
وقد ارتبطت (علوم الإعلام والاتصال) بظهور مفاهيم ونظريات جديدة، مثل «السياسة الخارجية الموجهة بوسائل الإعلام» و'القوة الناعمة»، وتزايد استخدام هذه المفاهيم وهذه النظريات عقب انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات، وبفضلها سيطرة الولايات المتحدة الأميركية وحدها على النظام العالمي.
وهنا يبرز أهمية دراسة مضمون وسائل الإعلام المحلية واستخدامها للدعاية القائمة على الحقيقة وليس التزييف كما يستخدمها البعض، لتبرير قراراتها وسياساتها وترميم ثقة المواطن بمؤسساته، والترويج لفكر يحمي الدولة من أي إرهاب فكري خارجي يمكن أن يستخدم ضد مستقبل الدولة وأمنها بعيدا عن الاحتكار والسيطرة على صناعة الإعلام والاتصال.
وهذا حتما سيشكل تحولا في تاريخ الصحافة والإعلام في بلدنا، مما يؤدي إلى زيادة ثقة الناس بمؤسساته الوطنية وسياستها، والعمل لتحقيق المصالح القومية، والدفاع عن الاردن وإدارته الداخلية والخارجية وتبني خطاب الدولة، واستخدامها لتحقيق المصالح القومية.
لذلك فإن تبني هذا النهج سيشكل تغييرا مهما في السياسة الإعلامية وبناء وظائف جديدة لوسائل الإعلام الوطنية، من أهمها بناء قوة الدولة الناعمة وصورتها الذهنية، وتبرير سياستها، والتأثير على الرأي العام لتحقيق أهداف هذه السياسة، وتحقيق المصالح العليا طبقا للتصور الذي تضعه الدولة لهذه المصالح والالتزام بأهداف السياسة العامة للدولة، طبقا لإستراتيجية إعلامية طويلة المدى ومساندة السلطات التابعة للدولة.