في كلّ سنة، تصافح الرأي أيدي قرائها وتعِدُهم بأنّها ستستمرّ ما استمرت الحياة، تراهن على أبنائها وعلى غيرتهم وحضورها في الوجدان الشعبيّ والرسميّ، فهي تستنفر نفسها وأدواتها كلما دعا الداعي إلى قضيّة أو مناسبة أو رؤية أو رأي، فهي صاحبة الرأي الذي دأبت على تقديمه عبر كلّ المسؤولين ومن خلال كلّ الأجيال.
فإذا سألك أحدهم في جلسة أو في حالة من اليأس: هل بقي للصحافة الورقيّة من دور، وهل ما يزال يقرأها الناس؟!..فقل إنّ الرأي نموذجٌ قويّ على الحضور مع قهوة الصباح وعلى مكاتب المسؤولين، وهي رفيقة الرعيل الأوّل من المعطائين الذين ما يزالون على مشوارهم الصدوق معها، يسألون عنها، ليرون أنفسهم من خلالها،..دام حضورك أيّتها الرأي !
وإذا ما قال لك أحدهم إنّ الذكاء الاصطناعي سوف يحلّ محلّ أبناء الرأي العاملين ويجليهم عنها، فـ«يؤتمت» الحرف والمضمون، فقل إنّه في حين أنّ الذكاء الاصطناعي يلجأ إلى الهرطقات والمتناقضات وتكوين ما لا يتسق من المعاني...يظلّ الصحفي العامل في الرأي على صلةٍ بالميدان يبحث ويستقصي وينقّح ويتوخى الصادق من الموادّ والأخبار، لينشرها أو يحملها إلى الناس على طبقٍ من نهارٍ أو وضوح!
فلقد مرّت على الرأي عواصف كثيرة وتحديات جسيمة، بل لقد امتُحنت بالهزّة الكونيّة «كورونا»، فدبّرت نفسها واستثمرت ذكاء أبنائها في الوصول إلى الهواتف الذكيّة والمواقع وحققت السبق في الأخبار، ولقد صبر معها العاملون، فشدوا الأربطة على البطون، وعلموا أنّ كلّ محنة مهما كنت شديدةً ستزول، ورائدهم في ذلك القول القائل في عزّ الجائحة «كلّ مرٍّ سيمرّ».
اليوم، نثق بأنّ الإدارة الحصيفة والأدوات المهنيّة سيكونان بمنزلة كفتي الميزان في تحقيق ليس فقط التوازن الاقتصادي، بل التوازن النفسي للزملاء، في مدخلات الجريدة وتطويرها نفسها وتخلّصها من ديونها، بثقة المسؤول ودعمه ومساندته برامجها لتَجاوزِ محنتها التي هي محنة الصحافة الورقيّة على وجه العموم.
ولقد عملت الرأي على المواكبة والتفوّق والسبق في وعائها الإلكتروني وموقعها الجادّ، فاستطاعت أن تجتذب جمهورًا إضافيًّا وجد فيها ما يلبي الرغبة في تنوّع المواضيع وسهولة التصفّح ونوعيّة قصصها وجودة موادها، إذ آمنت الرأي بالتحول الرقمي، ولكنّها مع ذلك أبقت على ذاتها الورقيّة حيّةً بشكلها ومحتواها الرائع والمنتخب بعيون القراء وذائقتهم وحرصهم المستمر على استقاء الصحيح من الأخبار منها، في ظلّ التضليل الإعلامي ووسائله وأدواته المنهجيّة والمبرمجة صبح مساء.
ويأبى أبناء الرأي أن تكون صحيفتهم إلا في الموقع المتقدّم دائمًا، فكلما حاولت خيول الصحافة أن تدخل ميدان المنافسة، أو معترك السباق، كانت الرأي فرسًا أصيلة تتجاوز كلّ الخيول في مضمار الرؤية والكشف والصدق والموضوعيّة والانتشار بين الناس.
الرأي.. يعرفها ويعرف مكانها ومكانتها كلّ الوطن.. وهي مَعْلَمٌ واضحٌ ومشهور، يصل إليه حتى أصحاب التطبيقات الذكيّة دونما حاجة إلى خرائط إلكترونيّة أو إحداثيّات؛ فهي في قلوبهم وقلوب آبائهم عنوانًا قويًّا تتفرّع عنه كلّ العنوانات.
من حقّ أبناء الرأي أن يخافوا على صحيفتهم من النسمة، ومن واجبهم نحوها أن يأتلفوا حولها ويرعوا مصالحها ويكونوا صفًّا واحدًا يحميها من عاديات الزمان وتحولات النوايا أو تقلبات الظروف.
في كلّ عيد ميلاد أيّتها الرأي العزيزة، يورق الحبر أشجارًا من الأمل وسماءً لا يحدّها حدٌّ من الطموح... فمن قلوب العاملين والمتقاعدين والقراء تحيّة إعجاب ودعوة بأن تبقي حاملة مشعل التنوير ولواء الصحافة وأنفاس الناس على الدوام.