منذ أن نال السودان استقلاله في عام 1956 لم يهنأ شعبه رغم طيبته وتكافل أبنائه بصورة تلفت نظر كل مراقب، فمنذ الاستقلال كان واضحاً أن هنالك شرخاً بين الشمال (العربي المسلم بأغلبيته) والجنوب (الوثني الأرواحي بأغلبيته)، وقد عبّر هذا الشرخ عن نفسه من خلال حركة انفصال الجنوب التي كلفت السودان أكثر من (50) ألف قتيل وانتهت بانفصال الجنوب عن الشمال.
ومنذ الاستقلال طمح العسكريون إلى حكم السودان وجرت فيه أكثر من أربع عشرة محاولة انقلاب نجحت ثلاث منها معروفة هي انقلاب الجنرال إبراهيم عبود عام 1958، وانقلاب الجنرال جعفر النميري عام 1969، وانقلاب الجنرال عمر البشير عام 1989، وإذا حسبنا سنوات الحكم العسكري في عهود هؤلاء وجدنا أنها تناهز (42) سنة من مجمل حياة السودان كدولة والتي تناهز (67) سنة تقريباً، الأمر الذي يعني أن السودان عاش في ظل حكم عسكري أكثر من ثلثي حياته والغريب في الأمر أن السودان عرف الأحزاب السياسية القوية منذ استقلاله كحزب الأمة (الذي مثّل الحركة المهدية اساساً)، والحزب الاتحادي الديموقراطي (الذي مثّل الحركة الختمية أساساً)، ناهيك عن الأحزاب والتجمعات المدنية القوية التي برزت مؤخراً كحركة «الحرية والتغيير»، وتجمع «المهنيين السودانيين» وهي ذات ثقل جماهيري ونخبوي مُعتبر.
ومنذ الاستقلال أيضاً تميّز السودان ببروز حركات مناطقية مطلبية مسلحة كاد يصل عددها إلى (87) حركة معظمها في منطقة «دارفور» وغالبيتها لا يحمل رؤية منهجية محددة لكنها تستغل غياب هيبة الدولة وتحاول أن تفرض واقعاً معيناً وبرغم أن كثيراً منها ليس له وزن كبير إلا أنها تظل تهديداً أمنياً لكيان الدولة، وقد لوحظ أن بعضها وقع على اتفاق السلام الأخير في جوبا (حركة تحرير السودان/ جناح مني مناوي، الحركة الشعبية لتحرير السودان/ جناح مالك عقار مثلاً)، بينما رفضت حركات أخرى التوقيع (حركة جيش تحرير السودان/ جناح عبد الواحد نور، والحركة الشعبية لتحرير السودان/ جناح عبد العزيز الحلو مثلاً)، ومن هنا تظل هذه الحركات المسلحة همّاً مُزمناً يُضعف سلطة الدولة السودانية ويشتّت جهدها.
أما المعضلة الكبرى التي يواجهها السودان الآن فهي إنشاء منظمة عسكرية تكاد أن تنافس الجيش السوداني الرسمي في عديدها وعدتها، حيث أن هذه كانت خطيئة قاتلة وقع فيها نظام حكم البشير التي أنشأها لقمع الحركة المسلحة في «دارفور» وأسماها «قوات الدعم السريع» تحت قيادة محمد حمدان دقلو (المعروف بحمديتي)، والواقع أن إنشاء مثل هذه القوة – وفي أيّ بلد–يحمل بذور الصدام مع الجيش الرسمي، ومن المتعارف عليه أنّ أية دولة لا يجوز أن يكون فيها أكثر من قوة قاهرة (تضم عادة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية). صحيح أن «قوات الدعم السريع» تم ضمها بقانون إلى الجيش السوداني الرسمي لكنها في الواقع ظلت ذات استقلالية معينة وبقيادة واحدة منذ نشأتها (قيادة حمديتي)، بل وبلغ بها الأمر أن تتواصل مع قوى خارجية: إقليمية ودولية.
إنّ المعركة الدائرة الآن في السودان–وبغض النظر عن شخصيات القادة–هي معركة بين الدولة السودانية (ممثلة بالقوات المسلحة السودانية) وفصيل مسلح يرفض أن يندمج في القوات المسلحة إلا بشروطه وبما يحفظ له كينونة مستقلة تظل مهدِّدة لكيان الدولة، ومن هنا فإنّ المعركة تتعلق في الواقع «بشرعية» الدولة السودانية ووحدانيتها فإما أن تفوز الدولة (شعب واحد وجيش واحد) وإما أن تخسر وتظل رهينة لقوة عسكرية تفرض عليها ما يضير شرعيتها واستقلاليتها.
ألم نقل إنّ مأساة السودان مُركّبة؟ تمايز مناطقي قاد إلى الانفصال في المحصلة، وانقلابات عسكرية فرضت أوضاعاً غير طبيعية وعطلت المسار الديموقراطي الذي يستحقه الشعب السوداني الطيب والواعي، وأخيراً إنشاء قوة مسلحة (قوات الدعم السريع) تريد أن تنافس القوات المسلحة الرسمية للدولة، وتفرض وضعها ورؤيتها غير عابئة بما يمكن أن يترتب على ذلك من أخطار على البلاد والعباد.