لم تكن أهمية التوجيهات الملكية السامية للحكومات المتعاقبة وخصوصا لحكومة د. بشر الخصاونة بالنزول إلى الميدان مرتكزة فقط على الجوانب الاقتصادية والقضايا التنموية والمعيشية الداخلية، التي تلامس هموم واحتياجات جميع المواطنين؛ بل كانت هناك قضايا أكثر أهمية باعتبارها تمس مصير الدولة، ولا تقف أهميتها عند هذا الحد فقط؛ بل تتجاوزه إلى كل المصالح العليا للدولة الاردنية.
إن ما حققته هذه التوجيهات الفريدة في نوعها ومضامينها، يستدعي الوقوف طويلاً مع الأسباب الأساسية بما تشتمل عليه من مضامين غزيرة متنوعة حيوية، تلامس أهم قضايا الوطن وشجونه.
لذا فقد حرص جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ومنذ توليه مقاليد الحكم على الاشتباك المباشر مع هموم ابناء شعبه والاستماع لمطالبهم، من خلال جولات جلالته الميدانية يرافقه في معظمها سمو الأمير الحسين ولي العهد، إلى جميع مناطق المملكة ومن خلال الالتقاء مع عدد كبير من ابناء شعبه في الديوان الملكي العامر.
وقد جاءت هذه التوجيهات بشكل استثنائي خارج عن المألوف بما تحمل من رسائل صريحة للحكومة واعضائها، وتأكيدات تعبّر عن قناعات القيادة الهاشمية، حول مسائل في منتهى الأهمية والحساسية، مثل مواجهة غلاء الاسعار، وعلاقة الحكومة مع المواطن، والتصريح برؤية القيادة دون مواربة. لم تأت هذه التوجيهات الملكية إلا مسبوقة بشواهد عملية وواقعية واضحة أثبت فيها معاناة المواطنين والحاجة لمن يسمعهم ويتواصل معهم، ومعالجة ملفات معقدة وشائكة تراكمت تعقيداتها على مدى السنين الماضية، فأبدى جلالته رؤيته في رسم خارطة طريق في زمن قصير جداً? إن ما اشتمل عليه من التصريح الحاسم بالإرادة الملكية السامية نحو محاربة الفساد أياً كان شكله أو صفة مرتكبه؛ جاء مسبوقاً أيضاً بأدلة عملية من أوامر ملكية عديدة ضربت رأس الفساد وكسر ظهره، وتعاملت بحزم هاشمي معه.
وبالتالي فمستوى التفاؤل الشعبي بهذا التوجيهات والمتابعات الملكية لم يكن مجرد آمال فارغة أو مجاملة انما مثلت استجابة لمشاعر ملايين الناس والتخفيف من معاناتهم، وعن قناعة ملكية مسبوقة بالشواهد العملية لتلك المعاناة، وهي تمثل إرادة حقيقية للقيادة الهاشمية.
ورغم كون جلالة الملك رجل حكم وإدارة؛ إلا أن حديثه لم يأت كعادة السياسيين بطابع توظيف الشعارات، ودغدغة مشاعر الناس وعواطفهم؛ بل كان حديثاً وتوجيها واقعياً معرفياً مركّزاً معضوداً بالأرقام والقياسات التي لا تكذب.
إن الاردن الذي وقف فيه القيادة والشعب على حد ٍ سواء كالجبل الشامخ في وجه العواصف ومحاولات الخلخلة وزعزعة الأمن والاستقرار، قد باشر الدخول في المئوية الثانية بعهد جديد يلائم ظروف التغيرات والمتلطبات العالمية، ويجعله أقدر على الانتقال لمرحلة تليق بإمكاناته ومكانته وطاقاته، في كل نواحي الازدهار والتحديث، السياسي، والاقتصادي، والاداري والتنموي، والثقافي، والقانوني.
وبالتالي دون التواصل العملي اليومي مع الواقع المعيشي للناس ودون الرؤية الحقيقية لمعاناتهم تصبح الادارة والمسؤولية مجرد محافظة على الوضع القائم فقط والاكتفاء بالخطابات دون فعل تغييري لن يجدي نفعا لتحقيق الفائدة المرجوة للمجتمع، والغاية النهائية للمسؤول والمسؤولية تترجم في خدمة المجتمع وتحسين أوضاعه من خلال التعاون الوثيق مع جميع الأطراف بما فيها مجلس النواب والمجالس المحلية والبلديات والمحافظات.
خلاصة القول: جلالة الملك ومهما تحدثنا عن الإنجازات وطموحات المستقبل، فلا شك بأنها طويلة ومع ذلك تتجدد الكثير من المنجزات الوطنية التي ترسم حاضرنا ومستقبلنا بكل قوة واعتزاز تفسرها لغة الأرقام والحقائق قبل كل شيء، نسأل الله العلي القدير أن يحفظ لنا جلالة الملك وسمو ولي العهد ذخرا ويديم على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.