بينما كانت الرياضة تمارس منذ عصور ما قبل التاريخ، فهي موضوع جديد نسبياً للتحقيق الأيديولوجي المنهجي، إذ نمت لتصبح مجالاً حيوياً للبحث الفلسفي، الذي كان يَعِدُ بتعميق فهمها، وإثراء ممارستها، إلا أن الانحرافات الأخلاقية الجارفة، التي يصر البعض على الحاقها بها تعيق السعي لمثل هذا الفهم المعمق. فقد أبرزت الخلافات الأخيرة على مستوى منافسات كأس العالم الأبعاد الأخلاقية للسياسة الرياضية بشكل صارخ، ولم يعد الأمر متعلق بالسياسات المانعة لاستخدام العقاقير المحسّنة للأداء كحالة «غش» مستهجن فحسب، بل انجرفت لاسترجاع مح?كات الصراع الحضاري، واستنساخ مفردات الكراهية من قاموس الاستعلاء الثقافي الغربي، ومحاولات فرض كل رذيلة يرتضيها موجهةً لتصرفاته، وجعل ما كان مرفوضاً وممنوعاً ومُجَرَّمَاً عنده بالأمس خيار الرقي الحضاري اليوم، الذي ينبغي أن يعتنقه الجميع؛ طوعاً أو قسراً. وفي ذلك لعمري حَوَلٌ في النظر وعَمَىً في البصيرة، وتغاضٍ متعمد عن الاتساق والانسجام، وبَلَهٍ يُظْهِر تناقض المنطق في الحوار الثقافي الجاد، الذي يوجب أن يأخذ النقد الكامل والعادل لقضايا الاختلاف الطرق المختلفة في الاعتبار للقيام بما يمكن أن يفضي إليه هذا الحوا? من نتائج، أو يبلغ المتحاورون به مرفأ الأمان عبر استنتاجات مقنعة لكل الأطراف.
بيد أنه، مع الإصرار الدائم بأن الاتساق المنطقي ضروري لهذا الحوار، لكن بدا أنه ليس كافياً بأي حال من الأحوال إذا لم يتبعه المتحاورون بمبادئ مساواة عادلة بين أطرافه، لأنه كلما كان من المستحيل أن تكون فرضية المساواة والعدالة حاضرة، فإن النتيجة ستكون حتماً خاطئة. وقد ثبت ذلك جلياً في خِضَم المهاترات والملاسنات، بل والإساءات البليغة، التي تَغَيَّأها وتفوه بها متطرفو الغرب ضد دولة، منذ أن نالت حظوة تنظيم كأس العالم، وحتى يوم أن أهدته للعالم كرماً وضيافة وحسن تنظيم. فقد قرأ العقلاء أن ما تبدى من ممارسات متنوعة عا?سة لعطب بعض الثقافات، وما يعتور الحضارة الإنسانية من تشوهات، يحتاج إلى استعادة الوعي بأساسيات الفعل الرياضي، الذي سبق وأن أعطته النظريات المختلفة أشكالاً وصفية، أو معيارية، حاولت الأولى تقديم وصف دقيق للمفاهيم المركزية للرياضة، واجتهدت الثانية في تقديم معايير للكيفية، التي يجب أن تكون عليها ممارسة هذه الرياضة، والتي تُفهم على أنها انعكاس لظواهر قيم اجتماعية أكبر.
وبسبب تأثر الغرب، في العقود الأخيرة بشدة بالحياة المادية الصِرْفَة، فإن طبيعة الرياضة صارت تحددها مبادئ الممارسات الأخرى في سوق العرض والطلب، وسيطرت عقلية تسليع فضائل المجتمع الضابطة لسلوكياته الأخلاقية، بما في ذلك النظر للرياضة على أنها هي الأخرى سلعة ذات قيمة مادية صالحة للاستخدام والتبادل، ما يجعلها لا تتمتع بخصائص ذاتية متأصلة تستحق الحماية. ولكن، قد تكون فقط مفيدة وفقاً لما تدره من ربح اقتصادي، أو تُمَكِّن من «الضجة»، التي يمكن أن تُحدِثها جماهيرها، كما في حالة مونديال قطر، أو في كل ميدان آخر يكون «ال?وليغان»، أو مشجعي بريطانيا «العظمى»، وأشباههم حضوراً مربكاً فيه. وكل هذا يتسق مع فهم المؤيدين الرئيسيين لنظرية الليبراليين في الغرب، الذين ينظرون للرياضة كأداة ربح مادية، إلى جانب استخدامها كمحرك للتغيير، من خلال التركيز على ما تلعبه من دور في نشأة التاريخ الاجتماعي وإعادة إنتاجه، بما في ذلك استكشاف العلاقة بين السلوكيات الطارئة وطبيعة عمل البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إن إعادة الإنتاج هذه غالباً ما تكون من خلال قولبة المجتمعات بمنظورات قيمية مستجدة تبتعد بها عن التمسك بإرثها القديم، حتى لو أدى ذلك إلى قلب «الفِطْرَة» الإنسانية برمتها. وهذا بالقطع منهج اختزالي لقيمة الإنسان، وتحليلات واهمة لروح الرياضة. إذ تُصبِح بهذا الفهم ممكنة فقط من خلال محاولة قسر الجميع على عقد اجتماعي مادي ضمني بين المشاركين في «الأطر الأيديولوجية» المستحدثة، وإجبارهم على الالتزام بمجموعة محددة من القواعد، بما فيها «المثلية»، وكل حالات الشذوذ، التي لا توفر صلاحية معيارية لحرية الممارسات الأخلاقية ?ثناء اللعبة. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لفكرة التنافس الحر في ميادين كرة القدم، وغيرها من ضروب النشاط الرياضي، هو في قدرة الحريصين عليها في التمسك بأخلاقها ونظمها وضوابطها، قبل عوائد أرباحها. إذ إن الرياضة يمكن أن تكون فناً راقياً، إذا كان هذا الفن يهتم بشيء يتجاوز نفسه كفرصة للتفرج لا للتبرج، وفعل للتميز الجماعي لا لانحرافات وشذوذ الأقلية.
د. الصادق الفقية
الأمين العام السابق لمنتدى الفكر العربي