بين الحين والآخر، يفاجئنا أحدهم برأي صادم يثير بفحواه الشبهات ويكيل الافتراءات، أو يقوم بتسفيه لقيم الدولة وأحكامها ومنجزاتها، أو بتطاول على شخصية من شخصياته التي هي محل فخر واعتزاز؛ ولو كانت عند أمم أخرى لَجُعلت محل تقدير وتبجيل لائقَيْن بها؛ فلمَ هذه الظاهرة؟
وهل هي تعبِّر فعلاً عن جرأة في الطرح، وتجديد في الرأي؛ أم عن إسفاف في الانجاز وتطاول غير مقبول؟ وما يطرح بين الحين والاخر بما يتعلق بقضايا التشكيك والتخوين ومن آراء تثير الجدل؛ هل يمكن اعتباره جرأة، أم تبديدًا وتطاولاً؟ يمكن القول إن هذه الآراء فيها الأمران معًا تبديدا وتطاولا، أما ما يتصل بالجانب الآخر، فعلينا أن نعترف أن هذه الآراء يغلب عليها الرغبة في الإفساد؛ فبعض من يتحدثون بها لم نعرف عنهم الاهتمام بثوابت الدولة وبأفكارها ومناهجها، فضلا عن عدم الالتزام بسلوكياتها ؛ ثم فجأة وجدناهم يطلقون لأنفسهم العنان في تناول البلد واشخاص بالنقد والتجريح؛ بل إننا نعرف مواقفهم ؛ فهل من الحصافة أن ننخدع بهم، ونظن أنهم يريدون بالوطن خيرًا ! ولو أن أحدهم طرح أسئلة وانتظر الإجابة، لما يعتقده؛ لظننا به خيرًا؛ إنما هم ينطلقون من الهجوم، ومن التشكيك والتحقير وهم يزعمون بأنهم يبحثون عن الحقيقة؟
ليست هذه الطريقة الصحيحة للبناء والبحث عن الحقيقة؛ هذا البحث يكون عن طريق أن تقرأ بتعمق، وتطرح جميع الآراء ثم تناقشها بهدوء وتجرد؛ لا بالشتم والتطاول والتشكيك. لكن أن يتناول أحدهم شخصياتٍ كبارًا لهم تاريخهم والمشهود لهم، ويهدمهم بالكلية؛ فمن حقنا أن نتشكك فيه. هل هذه الشخصيات لها أخطاء؟ نعم، لكنها أخطاء لا تغطي على مجمل حسناتهم ومنجزاتهم ومواقفهم، ولا يجوز هدم تاريخهم لبعض الأخطاء التي لا يخلو منها العظماء والمفكرون.
لمصلحة من يكون هذا الهدم وهذا القول؟ ولماذا الان وهذه الشخصيات بالذات؟ بينما يدافعون عن مواقفهم؛ لقد كان عليهم أن يعرفوا أن الوطن – تاريخ- ولو افترضنا أن به خطأً واحدًا، فهناك مئات الأخطاء في الدول الأخرى. فهم يعرفون هذا جيدًا، ويدركون حقيقة التجربة، وهذا البلد لم يستنزف ثروات شعبه يوماً وخيراتهم ومقدراته؛ وليس من أحد بإمكانه أن يقف أمام مسيرته وعطائه، ولهذا تكثر الحملات ضده، والتي تحاول أن تخدعنا بثوب الأمانة والحرص، وببريق البراءة والحقيقة – هل هذا التطاول أمر عفوي أم مخطَّط؟ هو أمر مخطط في معظمه؛ لأنهم–كما قلنا- يعرفون قوة الدولة جيدًا ونزاهتها ؛وبعض سلوك البشر قائم على المؤامرة والجحد وانكار المنجز ؛ أي على وجود أهداف غير معلنة يسعى أصحابها لتحقيقها دفاعًا عن مصلحتهم؛ أليس ما نراه من كذب بعض السياسيين يعد مؤامرة؟ أليس ما نلمسه من بروباجندا في الإعلام وغيره وخداع الناس بما يضر حياتهم وحقوقهم، يعد مؤامرة؟ بزعم دعم المحافظة على الوطن، هؤلاء المتطاولون من يستمع لهم ويقتنع بكلامهم. وختاما فإن القانون وحده ليس حلاًّ، والأفضل تقوية مناعة المجتمع ووعيه، وإتاحة الفرصة للمثقفين وللشرفاء ان يقولوا كلمتهم وللحديث بقية.