الأردن كغيره من دول العالم، واجه في الماضي، ويواجه في الحاضر، تحديات سياسية واقتصادية جمة، كانت نتاجا لعقود من سياسات ومنهجيات فكرية وأيدولوجية محلية وبعضها خارجية متعددة، رغم ذلك تمكن من الحفاظ على استقراره وأمنه ومسيرته في إقليم هو الأكثر التهاباً على مستوى العالم وأزمات معقدة.
إلا أن تلك الأخطار ما زادت الأردن وقيادته الهاشمية إلا إصرارا على المضي قُدما على خريطة العالم كلاعب سياسي أساسي في مجمل الأحداث، ورغم أن هذا البلد الصغير بمساحته والمحدود في الموارد والإمكانات، إلا أنه يمتلك إرادة صلبة، جعلته محط أنظار وإعجاب العالم، وهذا بشهادة المجتمع الدولي بأكمله.
لم يقف الأردن عند هذه التحديات، بل استثمرها لمزيد من العمل والتنمية، فوجّه جلالة الملك السلطات بتنفيذ عملية إصلاح بأسلوب يلمسه المواطنون ويُحدِث فارقا في حياتهم المعيشية ويكون قادرا على التعامل مع الظروف الدولية، مع الأخذ بآراء الناس والاستفادة من خبرات أصحاب الاختصاص.
وما يشهده العالم للتو من انقسام في التعامل مع الحرب (الروسية الأوكرانية) إضافة إلى ما تشهده الساحة الفلسطينية من اعتدءات ممنهجة من قبل الحكومة الإسرائيلية المتطرفة تستهدف الزمان والمكان وتداعيات تلك الأحداث على الداخل الأردني مع تكثيف حملات تستهدف الاردن وصموده وثنيه عن مسرته وإصلاحه، يصر الأردن اليوم أكثر من أي وقت مضى، بأن لا يثني عن سياسية متدرجة تسمح بالتحول إلى نظام ديمقراطي حزبي برامجي تعددي، قائما على الحرية المجتمعية وبصورة يعبر عنها بانتخابات برلمانية حرة ونزيهة وشفافة.
وجاءت هذه التوجيهات الملكية مستندة على إدراك أن السياسات الماضية المبنية على توسيع دور السلطة التنفيذية، وأذرعها المختلفة، لم تنجح في معالجة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة للدولة؛ من هنا برزت الحاجة لوضع نهج شامل ضمن أطر دستورية جديدة، وتشريعات كفيلة بالتعامل مع التحديات بطرق تضمن تطور وازدهار الدولة وبشكل متوازن ويحافظ على حياتها.
كما أن هناك إطارا عريضا وواضحا أرسى دعائمه وكفله رأس الدولة جلالة الملك، هدفه الاطمئنان على متانة البناء الديمقراطي وسد الثغرات التي يُمكن أن تعود منها بعض الممارسات غير مسؤولة من بعض الأجهزة، ليكون منسجماً مع تطلعات المواطنين والخروج بإطار سياسي واضح حدد نظرة الدولة لتحول حداثي يهدف إلى تعزيز التشاركية في صنع القرار، وإدامة الزخم حول عملية الإصلاح والتحول المنشود ويسعى إلى بناء مستقبل واعد للأمة.
وهناك من العوامل ما يساعد على تيسير العملية السياسية وتسريع وتيرتها، منها تطوير «النظام الانتخابي والحزبي» لتعزيز مبدأ التعددية السياسية على أساس برامج حزبية ناضجة والانتقال بشكل تدريجي نحو الحكومات البرلمانية الفاعلة التي يشكلها ائتلاف الأغلبية في مجلس النواب، وثانيا: وجود نماذج وتقاليد سابقة يمكن أنْ يستفاد منها لإنجاز المشروع المنشود.
ومن المهم أن ترافق عملية التحول السياسي عملية مصالحة وطنية هدفها تعزيز دعائم هذا البناء وتشجيع مختلف مكونات المجتمع على الحوار والنقاش البنّاء، وإنجاح هذا المسار، بما يُعيد الحياة الديمقراطية للمملكة إلى وضعها الطبيعي مدفوعة بتردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وبحالة من الاحتقان الشعبي..
والقول أننا ما زلنا غير مستعدين اجتماعيا، أو أن المجتمع غير مؤهل وغير ناضج سياسياً للسير على سكة التحديث السياسي، هذا ما يعد إجحافا ومجافاة للواقع.
وهذا القول يقلل من مكانة ووعي المواطن الذي أثبت على مدى العقود الماضية حضوره عالميا وإقليميا وفي أرقى المراكز والمعاهد والجامعات والمؤسسات كعالِم وقائد ومعلم وغيره، وأثبت للعالم نضجه وقدرته ورغبته في التحديث والإصلاح والمشاركة في مختلف المجالات وإحداث فرق نوعي، والعارف لمكونات مجتمعنا، وبخاصة السياسية منها، يُدرك أن الأردني ومنذ عقود قد أثبت جدارته على تحمل المسؤولية ومساندة الدولة في كل تاريخها.