كتاب

فسيفساء الأردن قصة المكان عبر الزمان

يعتبر فن الفسيفساء واحدا من الفنون التي تعتمد على تجميع قطع من البلاط والزجاج بأحجام مختلفة وألوان مختلفة لتكوين تصميم متكامل، وقد عُرف هذا الفن منذ قديم الزمان في اليونان، واشتهر به أيضا الرومان، ولقد ارجع العديد من الباحثين كلمة فسيفساء في اللغة العربية إلى الأصل اليوناني (psephos) ومعناها الحجر الصغير، وتعني أيضا الحصى، حيث صنعت الفسيفساء المبكرة من هذه المادة، والفِسْفُس هو البيت المصور بالفسيفساء، والفسيفساء: قطعٌ صغيرة من الرخام، أو الحصباء، أو الخرز، أو نحوها، تُضم بعضها إلى بعض، فيُكّون منها صورٌ و?سومٌ، تزين أرض البيت، أو جدرانه.

يعود تاريخ معظم الفسيفساء في الأردن إلى ما بين القرن الأول والقرن الثامن بعد الميلاد، وتم استخدامه في كثير من المباني لزخرفة الجدران أو الأرضيات أو الأسقف، باستخدام مواضيع مأخوذة في معظمها من الحياة اليومية: الحصاد أو الصيد أو صيد السمك أو مجرد موضوعات رعوية أو أسطورية، وغالبا ما كانت الفسيفساء الموجودة في الكنائس تصور قصصاً من الكتاب المقدس.

تحمل اللوحات الفسيفسائية الأردنية أرشيفاً ذا قيمة دينية فنية وجمالية وعلمية وتاريخية وحضرية، من خلال احتواء اللوحات الكثير من الزخارف والرسوم والنقوش والكتابات، ويتجسد الهدف منها، هو كشف القيم الجمالية والفنية والتاريخية لهذا اللوحات، وتصنف في الأردن، على أساس الفترة الزمنية لإنشاء اللوحة الفسيفسائية مثل: إسلامي، نبطي، يوناني، روماني، بيزنطي. وقد تصنف اللوحات طبقا لقيمتها الحقيقية وليس للفترة الزمنية التي فيها إنشاء اللوحات. حيث ينظر إلى القيمة بأنها قد تكون بالمفهوم العام أخلاقية – اجتماعية – دينية، واللو?ات ذات القيمة، هي المنشآت التاريخية التراثية المعروفة بقيمتها المعمارية والحضارية، أو اللوحات الفسيفسائية التي تروي تاريخ المدينة نتيجة ارتباطها بأحداث أو أشخاص أو أنشطة كما الحال في مدينة أم الرصاص الأثرية والتي تحوي عددا كبيرا من اللوحات.

تسهم الفسيفساء الأردنية في توثيق حركة تطور الحضارات والأديان عبر العصور من خلال توفير سجلات تاريخية تشمل جداريات وأرضيات فسيفسائية شاهدة على تطور الفكر الإنساني عبر العصور كما الحال في الفسيفساء المنتشرة في المفرق منطقة رحاب، أو الموجودة في أم الجمال التي تبين حركة تطور الفكر الديني عبر العصور، كما تسهم الخارطة الفسيفسائية في كنيسة الخارطة في مأدبا بتوفير سجل تاريخي سياسي حضاري يشكل مصدراً معرفيا للواقع الجغرافي في تلك الفترة، فهي أول خارطة في العالم مصنوعة من الفسيفساء تبين الحدود السياسية بين الدول.

تنتشر الجداريات والأرضيات الفسيفسائية في كافة مناطق الأردن الجغرافية، وتعد مدينة مأدبا عاصمة الفسيفساء الأردنية ومدينة الفسيفساء العالمية، لإحتوائها على عدد كبير من اللوحات التي يجب الحفاظ عليها بشكل مستدام للأجيال القادمة، كما أن تل مار الياس في عجلون يحتوي عددا كبيرا من اللوحات والتي تعد أرشيفا دينيا ذا قيمة كبيرة، ويشار إلى أن منطقة تل مار الياس في عجلون واحدة من مواقع الحج المسيحي المعترف بها دولياً.

مما سبق يتحتم علينا البدء فوراً بوضع برامج تنفيذية قابلة للتطبيق بهدف توثيق هذه اللوحات والتي تشكل كنزا إنسانيا مهما على المستوى الدولي والعالمي، والحفاظ على ديمومة هذه المناطق من العبث البشري وهوس الباحثين عن الذهب، وكذلك الحفاظ عليها من الأخطار الطبيعية المتمثلة بالتجوية والتعرية والفيضانات، وخاصة في المناطق المعرضة للمخاطر كما الحال في أم الرصاص، والتي تعد أحد مواقع التراث العالمي في الأردن المعترف بها من اليونيسكو، وتحتوي على لوحات فسيفسائية غاية من الجمال والروعة، كذلك الأمر في قصير عمره والذي يعد أيض?ً من مواقع التراث العالمي الحضاري في الأردن.

يجب البدء فوراً بتطوير هذا الكنز الذي وهبنا إياه الله في الأردن ووضعه على خارطة السياحة الأردنية من خلال إنشاء متحف افتراضي متكامل متخصص بعرض الفسيفساء الأثرية، بما تتضمنه من دلالات وتعابير دينية أسهمت عبر العصور في تشكيل متكامل لبنية المعرفة في العالم، كذلك يجب العمل على إنشاء المنصات الرقمية المتخصصة بعرض الأفلام الوثائقية القصيرة التي تتحدث عن الفسيفساء والمناطق الأثرية والتراثية التي تحتويها، والعمل على توثيق الفسيفساء الأردنية ضمن قاعدة بيانات متكاملة محوسبة بهدف الحفظ المستدام لهذا الكنز الإنساني، وم? المهم جداً إدراك أهمية الحفاظ عليها كونها مصادر غير متجددة؛ مما يؤكد حتمية إدارة عناصرها بطريقةٍ تظهر التقدير والاحترام للذين عاشوا قبلنا، وتظهر الحرص والاعتبار للذين سيأتون من بعدنا... وهو أيضاً مصدر للإحساس بالجمال والسلوكيات الإنسانية.

عميد كلية السياحة في الجامعة الأردنية فرع العقبة