في بيان مُقتضب وعلى نحو مُتزامن يدعو للريبة ويثير الشكوك, اتهمت حركة النهضة التي يرأسها الشيخ/راشد الغنوشي, أنصارَ الرئيس قيس سعيّد بالاعتداء على «رئيسها» عقب أدائه صلاة التراويح في أحد مساجد العاصمة، كان لافتاً ليس فقط أنّ البيان حفل بسيل من المصطلحات والمفردات المسيئة لـ«مجموعة صغيرة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة»، على ما جاء في بيان الحركة، بل أيضاً في أنّ خبر الاعتداء على «الأستاذ» الغنوشي الذي تمّ تضخيمه والإيحاء بأنّ مُؤامرة–رئاسية- تقف خلف هذه «الاعتداء»، جاء بعد أقل من يوم واحد بما وُصف المسير? الحاشدة التي نظّمتها أحزاب وشخصيات مُعارِضة من «مبادرة مواطنون ضدّ الانقلاب» أول أمس/الأحد, تمّ اختياره في مناسبة ذكرى شهداء العام 1938 رشّح بعد انتهائها أنّ مكونات المعارضة المختلفة (غير المُوحدة والمُنقسمة), تعتزم الشروع في إنشاء «الجبهة الديمقراطية» بشكل رسمي يكون على رأس أهدافها العمل على مواجهة «الانقلاب والمؤامرات الفردية للرئيس قيس سعيد», من خلال صياغة قرارات واتّخاذ خطوات هامّة في قادم الأيام, على ما نقلت وسائل إعلام تونسية.
وإذ بات واضحاً وبخاصّة منذ 25 تمّوز الماضي, عندما أعلن الرئيس التونسي تجميد عمل البرلمان وإقالة حكومة هشام المشيشي، وما تلاه من قرارات وإجراءات، انعدام قدرة أحزاب المعارضة وتشكيلاتها المختلفة, التوافق على حدّ أدنى من المُشتركات, للتصدّي لما دأبوا على وصفه إنقلاب سعيّد، فإن احتمالات إشهار «الجبهة الديمقراطية» تبدو ضعيفة، خاصّة في ظلّ إصرار حركة النهضة/ورئيسها الغنوشي على تصدّر المشهد، والإيحاء بأنّها وحدها التي تقود المعارضة, وأنّ الآخرين مجرد «أتباع» عليهم القبول بالطريقة والوسائل والمُقاربات التي تقترحها ?لنهضة لإفشال إنقلاب سعيّد. ثم جاءت حكاية اعتداء أنصار رئيس الجمهورية على الغنوشي بعد أدائه صلاة التراويح, التي تمّ تضخيمها لتضفي على الغنوشي وحركته هالة من بطولة مُتوهّمَة, ما أغاظ الرئيس وأنصاره, وهم «أقل من أصابع اليد الواحدة»، ما دفعهم لإهانته والإيهام بطرده من طرف أهالي المنطقة. ولا أدلّ على ذلك سوى ما كتبه أحد مساعدي الغنوشي واسمه ماهر المذيوب في رسالة عبر «فيسبوك» للرئيس سعيد: كيف يا سيادة الرئيس المُؤمن, تسمح بأن يُهاجَم رجل خارج من صلاة التراويح من قِبل السفلة والرعاع, الذين يقتاتون صباحاً ومساءً م? خطابات التحريض والتقسيم»؟.
من هنا فإنّ مسارعة «حركة النهضة ورئيسها, الإستثمار السياسي والإعلامي لواقعة غير مؤكدة وغير مؤثرة كما ورد في بيان الحركة، يُؤشر إلى إفلاس خطاب النهضة, التي تبدو بعد أقل من ثمانية أشهر على قرارات سعيّد، وخصوصاً بعد قراره الأخير/نهاية آذار الماضي حلّ البرلمان التونسي, أكثر أطراف «السُلطة السابقة» (حتّى لا نقول المُعارضة) لأنّها هيمنت على المشهد التونسي منذ ثورة/جانفي 2011 حتّى 25/7/2021، فضلاً عن فشلها جمع شتات «المعارضة», لأنّ خطابها/النهضة قائم على احتكار الحقيقة والأنانية, وتقدّم الصفوف وعدم الاستعداد للتع?طي في نِديّة مع أطياف المعارضة الأخرى وتشكيلاتها، ناهيك عن الشكوك والإتّهامات التي ما تزال تلاحقها في شأن وجود «تنظيم سرّي/مسلّح» تابع لها, متّهم باغتيال شخصيات ورموز يسارية وتحديداً شكري بلعيد ومحمد البراهمي. ما دفع حركة النهضة شباط الماضي, إلى دعوة السلطات التونسية لـ'حماية الغنوشي وعائلته، إضافة إلى حماية أنصار الحركة ومقارِها, عقب دعوة هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي للتظاهر أمام منزل الغنوشي.
صحيح أنّ حركة النهضة ورئيسها بدت راضية بل مبتهجة, عقب الانتقادات اللاذعة التي وجّهها الرئيس التركي/أردوغان لقرار الرئيس التونسي «حلّ البرلمان», مُعتبراً إياه/أردوغان «ضربة لإرادة الشعب التونسي», لتُضاف إلى سلسلة انتقادات تركية بدأها ياسين أقطاي مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية التركي, مباشرة بعد قرارات سعيد في 25 تموز الماضي بقوله: إنّ حدوث «انقلاب» يقوده رئيس يتمتع بشرعية الانتخابات ضدّ برلمان مُنتخَب، هي أولى عمليات اغتيال المسار الانتخابي»، ولا يُمكن -أضاف أقطاي- أن يكون ذلك في صالح البلاد أو في صالح ال?ئيس المُنتخب، بل إنّه سيُقوِض بشكل خطير شرعية الرئيس»، إلّا أنّ رد سعيد المباشر/واللاذع أيضاً على تصريحات الرئيس التركي, وقوله: «لسنا إيالة (ولاية) عثمانية ولا ننتظر فرمانا»، قطع الطريق على النهضة لاستثمار الأجواء المتوترة بين تونس وأنقرة وإعادة الأمور إلى المربع الأول. ما يستدعي وبالضرورة حركة النهضة وشيخها, النزول عن الشجرة العالية التي صعدتها, وإعادة قراءة المستجدات وفق منظور واقعي, بعيداً عن احتكار الحقيقة والادّعاء أنّها «أم الصبي» والوصية على الثورة, في رهان فاشل على تشكيلات هزيلة. اللهم إلاّ إذا كان? النهضة/وشيخها يستشعِران خطراً مقبلاً, بأن يتم «حظرها» وعدم السماح لها بالمشاركة في الانتخابات المُقبلة. وتِلكم «حكاية» أخرى.
kharroub@jpf.com.jo