هل تصبح الحكومات البرلمانية خياراً استراتيجياً للحكم؟

تاريخ النشر : السبت 10:40 26-2-2022
د. صالح ارشيدات

يسعى الأردن منذ سنوات إلى تطوير المنظومة السياسية من خلال شعار الديمقراطية الأردنية المتجددة المستندة على مضامين الأوراق النقاشية الملكية، وعلى روح الدستور الأردني المرن ذي النزعة الليبرالية، للوصول إلى الدولة المدنية الحديثة والحكومات البرلمانية.

إن فكرة الحكومة البرلمانية؛ باختصار مرتبطة بالنظام الديموقراطي المتجذر ووصول الأحزاب السياسية البرامجية إلى البرلمان من خلال قانون انتخاب يشرع ويدعم الاعتراف بالأحزاب السياسية ركنا أساسيا في النظام السياسي والبرلماني للدولة، ويهدف إلى تمكين البرلمان الحزبي البرامجي و تمكين ائتلاف الاحزاب البرامجية من تداول الحكومات وتشكيل حكومات الظل، ضمن اجواء من الحرية ورقابة شعبية إيجابية، وحماية القضاء وسيادة القانون.

وهي وإن جربناها في سنوات خلت، لكننا لم ننضجها بالقدر الكافي، ولم نضع لها ضوابط ترفع شأنها، ولم تكن خيارا منتظما في النهج والمنهج.. ولم نعظم لها التقاليد الوازنة لتكون الأساس في بنية الدولة.

اليوم نحن على موعد قريب من تحقيق فكرة الحكومة البرلمانية، بوصفها باتت خيارا استراتيجيا للحكم، ومنحى يراد له أن يدخل تطورا جادا في هيكل الدولة وينتج واقعا أكثر اتساعا لاتخاذ القرارات وإدارة البلاد بفعل إرادة شعبية، عليها واجب المشاركة في العمل العام وانتخاب البرامج واختيار وإنتاج مجالس نيابية ممثلة تمثيلا حقيقيا لضمير ووجدان الناس.

وهي إن ظهرت واستمرت، ستكون المجالس التي تعلي قيمة التشريع والرقابة، وتعلي قيمة السياسية والقدرة على أن تكون شريكا حقيقيا في الحكم وما يستتبعه من مسؤوليات وواجبات تجاه الوطن، كل الوطن، لا لمنفعة قرية أو مدينة أو لمنفعة عشيرة وعائلة.

ذلك ما عانت منه بعض البرلمانات من ممارسات أضعفت سلطة الشعب وهمشتها في غير مرة، فصارت عبئا على الناس والوطن بدل أن تكون عونا لهما.

ينظر الشعب والنخب والأحزاب بإيجابية إلى فكرة الحكومة البرلمانية، وما يفترض أن يأتي به مجلس النواب المقبل من أسس لهذه الفكرة، بعد أن تم تشريع مكونات مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية المدعومة من جلالة الملك والمؤسسات الوطنية، لتكون بالتدرج الحكيم والمرن بالتراكم منجزا وطنيا حقيقيا.

وحتى تنجح خريطة الوصول ثلاثية المراحل المتدرجة إلى الحكومة البرلمانية لا بد من إعطاء المرحلة الأولى وهي تمهيدية كل الاهتمام والتدرج المريح، وخصوصا في تخفيف شروط اعادة تأهيل الأحزاب المرخصة حتى يتمكن بعضها من النجاح والعبور الى المراحل الأخرى.

تصورنا للحكومة البرلمانية القادمة، أنها تمثل بصيغة أو أخرى منتجا شعبيا ومعبرا عن إرادة أغلبيته.. وتأسيسا لهذه الإرادة، لا بد وأن يختار الناخب، على مستوى القوائم الحزبية المغلقة على مستوى الوطن، وعلى مستوى القوائم النسبية المحلية المفتوحة، ممثليه ممن يحملون برنامجا موضوعيا إصلاحيا وطنيا قابلا للتنفيذ، وأن يطال هذا البرنامج شؤون السياسية والاقتصاد والبعد الاجتماعي والثقافي تشخيصا ومعالجة وتجسيدا لطموحات ومطالب الشرائح الاجتماعية وتحويلها إلى برامج سياسية وخطط اقتصادية واجتماعية قابلة للتنفيذ، مثل مواضيع إصلاح التعليم والخدمات العامة، والإدارة العامة وتخفف البطالة بالإضافة إلى دورها السياسي في ممارسة الرقابة السياسية على السلطة التنفيذية، وبتركيز أشد على البعد الاقتصادي سر أزمتنا وعصبها، وكذلك على طريقتنا في إدارة الشؤون الوطنية.

إن من يختارهم الشعب ليمثلوه في البرلمان القادم سيحددون، بالمحصلة، إذا ما كان خيار الحكومة البرلمانية؛ خيارا عميقا ومؤثرا أم خيارا سطحيا وعابرا.

إن الأغلبية الحزبية في مجلس النواب المقبل، ستكون أغلبية ائتلافية متنوعة للأحزاب وللمستقلين، ومتعددة قد تتوافق على برنامج وطني، وقد تشكل على أساسه الحكومة.. ونحن هنا أمام التزام ملكي حسب المادة 35 من الدستور واضح ومشدد عليه وخصوصا في الأوراق النقاشية السبع للملك، بتكليف الملك لتآلف الأغلبية الحزبية النيابية، بتشكيل الحكومة ولكن في نضوج البنيان الحزبي وتطوره ووصول الشباب والمرأة إلى صفوف قيادة الهرم الحزبي وإلى البرلمان.

وسيكون من حق الائتلاف الذي ستناط به الحكومة أن يشكلها من أشخاص خارج الائتلاف النيابي، أي من غير أعضاء المجلس، ومن شخصيات محسوبة عليه لكنها ليست عضوة في المجلس.

وهذا ما نفهمه إن كنا نتحدث عن حكومة برلمانية، ونريد لهذا المسار أن يتجذر ويصبح نهجا في إدارة الحكم، له ضوابطه الوطنية والدستورية بما لا يخل بالثوابت الوطنية المعروفة.

والحكومة البرلمانية تسهم في بناء ما يعرف بحكومات الظل، أي أن الأغلبية تشكل الحكومة والأقلية تتحول إلى معارضة وتشكل حكومة ظل تراقب الأداء..

لكن الحكومة البرلمانية، كصيغة ومفهوم عندما تتحول إلى نمط مؤسسي حقيقي سيكون رئيس الأغلبية المكلف بتشكيل الحكومة وائتلافه مرغمين على التشاور وصياغة الحكومة وفقا لبرنامج واضح محدد ووزراء يتم اختيارهم بالتشاور وسيكون لأغلبية البرلمان الحق في تعزيز الاختيار.

ستكون الحكومات البرلمانية، خاضعة لرقابة الحزب أو الائتلاف الذي انبثقت منه، وخاضعة لرقابة الأقلية النيابة التي شكلت حكومة ظل، وخاضعة لرقابة الشارع والمؤسسات الحزبية والمجتمعية..

ولعل البعض يتساءل الآن، هل الظرف الموضوعي الراهن، سياسيا وتشريعيا، يساعد في إنتاج تجربة حكومة برلمانية فعّالة؟ وهل المكونات الأساسية للمرحلة القادمة، من أسس وتشريع وضوابط وطنية وأحزاب برامجية وقوى وطنية وشعبية، وبيئة حاضنة متوافقة على التحديث؟

علينا أن نكون متفائلين ونقول، نعم، يمكن أن تكون تجربة الحكومة البرلمانية المقبلة ناجحة إذا توافر لها شرطان موضوعيان متلازمان معا وهما توفر: البيئة السياسية والبيئة التشريعية وسيادة القانون،

والبيئة السياسية المطلوبة هي أن يقتنع النظام السياسي بالتغيير في أسلوب الحكم وطبيعته (ضمن النظام السياسي) ورسوخ هذه القناعة على نحو استراتيجي واستيعابه من مؤسسات الدولة والشعب والنخب لاستقبال التغيير وحمايته وإدراجه في الخطاب السياسي العام وفي مكونات مناهج التربية والتعليم والثقافة الوطنية المكون للمواطنة وللهوية الوطنية لإشاعة جو عام إيجابيا بين القاعدة الاجتماعية ومكوناتها السياسية وخلق بيئة حاضنة وحالة متقدمة من الثقة..

هذا ما أعلنه جلالة الملك رسميا حول توفر البيئة السياسية من خلال إرادته ورسالته في تشكيل اللجنة الملكية ومهامها الواضحة بالطلب لإحداث نقلة نوعية في الحياة السياسية والبرلمانية والحزبية، وهو ما انتجته اللجنة الملكية فعلا كمشروع للتوافق الوطني، ناقشه مجلس الأمة مع المكونات الشعبية والسياسية والأحزاب والنقابات، وسيصوت عليه مجلس الأمة قريبا، الأمر الذي سيدفع ويحفز تلك القوى الشعبية والأحزاب إلى الانخراط والتفاعل مع الواقع السياسي الجديد.

ويتعزز جو البيئة السياسية أعلاه بتوفر البيئة التشريعية اللازمة الداعمة لمشروع التحديث وهي اليوم متوفرة من خلال الموافقة على اجراء التعديلات الدستورية اللازمة وسن القوانين المصاحبة (الانتخاب والأحزاب)، لتمكين إقامة الحكومات البرلمانية، وهما تشريعان أساسيان ومهمان يسهمان في تعزيز الهوية الوطنية ومفهوم المواطنة المتكافئة يتم من خلالهما إتاحة الانتقال الفعلي للدخول في تغيير لأسلوب الحكم، حيث يتطلب شرط تكوين الحكومات البرلمانية وجود برلمان حزبي تعددي يفرضه وجود قانون انتخاب ديمقراطي توافقي عادل وتعددي وتمثيلي، يعزز الوحدة الوطنية ويعظم من قيمة الكتل والتكتلات الحزبية السياسية ويعزز مشاركة المرأة والشباب من خلال إدماج القائمة الحزبية الوطنية المغلقة المتدرجة للأحزاب على مستوى الوطن في النظام الانتخابي وهي السبيل الناجع للاعتراف بالأحزاب، مكونا من مكونات النظام السياسي البرلماني الأردني، والقادرة فعلا على ترسيخ وصول الأحزاب إلى البرلمان وتسهيل تحقيق الحكومة البرلمانية وحكومة الظل،

فلا حكومات برلمانية دون برلمان حزبي سياسي برامجي فاعل تمنح فيه أكبر الكتل الحزبية فرصة تشكيل الحكومات بالائتلاف مع كتل حزبية أخرى، يوفره قانون انتخاب يمثل كل الأردنيين وقانون أحزاب تعددي على سوية عالية من المسؤولية الوطنية، تسوغه الدولة بشراكة حقيقية وتوافق مع الأحزاب التي تعلم بواقع الأحزاب وظروفها ومتطلبات ديمومتها.

دور أساسي للأحزاب السياسية في الحياة البرلمانية!

وهنا تقع مسؤولية كبرى على كاهل منظومة الأحزاب السياسية نفسها في إعادة النظر في واقعها وأسلوب إدارتها للحالة الحزبية والسياسية، وعليها بعد أن أصبحت جزءا من النظام السياسي، أن تنضج برنامجا واقعيا قادرا على المنافسة، وأن تمنح الشباب والمرأة فرصة في مشاركة قيادة الأحزاب والوصول إلى البرلمان، وأن تحاور وتسمع من الناس ما يطمحون إليه، ويكتمل منهج الحكومة البرلمانية إذا شاركت معظم الأحزاب السياسية في الانتخابات فالمشاركة السياسية واجب وشرط أساسي لكل القوى السياسية، لإنتاج حكومة برلمانية وحكومة ظل.

الأحزاب السياسية تعتبر بوتقة انصهار وطني ومن روافع وأدوات العمل السياسي الشعبي والبرلماني المنظم، والتعبئة الوطنية، مهمتها إنضاج رؤية وطنية تبدأ من تعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار الوطني، وتأطير الحوار غير المنظم من الشارع إلى ساحة التنظيمات الحزبية، ومن ثم إلى مجلس النواب الحزبي لأخذ القرارات وصنع السياسات الوطنية.

وربما كانت تجربة حكومة سليمان النابلسي البرلمانية الأولى عام 1956 أكثر تجليا ووضوحا، حين أصر الملك حسين في بداية عهده على اجراء انتخابات حرة أتت بمجلس نيابي حزبي تعددي، شكل حكومة حزبية ائتلافية واستمرت لنحو خمسة أشهر.. وكلنا يعلم أن تلك الفترة كانت قومية بامتياز، وكانت قضية فلسطين محور النشاط والتنافس السياسي المحلي والعربي، وكان الصراع العالمي والحرب الباردة قد بدأت للتو، ولكن الظروف كلها كانت ضد استمرار الحكومة البرلمانية فاجهضت وفرضت الأحكام العرفية ومنعت الأحزاب من العمل لفترات طويلة.

علينا أن نؤمن بأهمية التوافق الوطني، وأهمية التدرج في البناء الوطني، وضرورة أن نحسب خطواتنا جيدا، كي لا نقفز قفزات من شأنها، لا قدر الله، أن تذهب بنا إلى أتون فوضى اجتماعية وسياسية، ويتعزز ذلك التوافق الوطني بوجود رأي عام واع وقاعدة اجتماعية منظمة، وأحزاب سياسية ومؤسسات وطنية حريصة على مكتسبات الوطن، وعلى ترسيخ استقرار البلاد وحماية منجزات الدولة، وتحقيق مشاركة شعبية عبر مؤسسات سياسية واجتماعية، تعكس ثقل وحضور المجتمع في الدولة.

ان نمط الحكومات البرلمانية هو الأمثل لحالتنا الوطنية، وهو الذي يحفظ التوازن ويعزز الاستقرار، وسيشكل عند تجذيره بالتراكم، وبما لا يخل بالثوابت الوطنية المعروفة، قيمة وطنية حقيقية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }