وتتساءلون لماذا لم تترشح أية امرأة لمنصب رئاسة البلدية، رغم أن التوجه العام في الدولة بكل سلطاتها هو إعطاء المرأة فرصة حقيقية بالمشهد العام بكل أنواعه السياسي والاقتصادي والإداري والاجتماعي.
فمخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية هيأت البنية التحتية الدستورية والتشريعية للمرأة كي تخوض غمار التجربة، فالأعين كلها تتجه صوب الانتخابات البلدية ومجالس المحافظات واللامركزية بوصفها أول انتخابات ستُجرى بعد إقرار التعديلات الدستورية وخضم المناقشات للتعديلات القانونية، فكان المعظم يتوقع أن تكون المشاركة النسائية مختلفة وأنها ستشكل علامة فارقة في تاريخ مشاركتها السياسية.
لكن خابت التوقعات فلم تتجاوز نسبة تسجيل المرأة بالانتخابات 17% كما لم تتقدم أية إمرأة لسباق انتخابات منصب رئاسة البلدية، علما بأننا في الأردن تميزنا عربيا بتمثيل المرأة في البلديات منذ منتصف التسعينيات، حتى قبل أن يتم تخصيص كوتا بالقانون، وكانت البوابة عبر تعيين نساء في المجالس البلدية، واستطعن أن يحققن إنجازاً وأن يتركن أثراً لدى مجتمعاتهن المحلية.
فما الذي جرى، ولماذا ترددت المرأة وتراجعت عن خوض غمار هذه التجربة، وهي صاحبة خبرة وباع طويل في العمل البلدي؟
فخلال ما يزيد عن 25 عاما كانت النساء تشكل ما نسبته (25%-35%) من التمثيل البلدي ما بين انتخاب وتعيين، لكن عددا من فزن بمنصب رئيسة بلدية أقل من أصابع اليد الواحدة. إلا أن النساء كانت تخوض تجربة الوصول إلى هذا المنصب، فمثلا الانتخابات السابقة ترشحت لرئاسة البلديات 6 نساء لم يحالفهن الحظ بالفوز بأي مقعد رئاسة بلدية.
الإجابة حمالة أوجه ومن يريد أن يذهب إلى الأسباب المريحة ويحملها للأوضاع الاقتصادية وعدم قدرة المرأة المالية لمنافسة (الشراسة) في الدعاية الانتخابية فله ذلك، وإن كنت أرى أنها سبب من ضمن الأسباب لكنها ليست الأساس.
فهناك مجموعة عوامل لم تتغير أدت إلى أن لا تندفع المرأة بقوة نحو المشاركة بالانتخابات البلدية، وألا تحاول التنافس على منصب رئاسة البلدية «العمدة»، هذه العوامل هي انعكاس لتمثيل المرأة بكل مناحي الحياة العامة، فهي على سبيل المثال تشكل نسبة 7% من المناصب الإدارية العليا، نسبتها في الحكومات لا تزيد عن 25% بأحسن الأحوال، وكذلك تمثيلها النيابي وصلت إلى 20% بحد أقصى.
البلديات هي بوابة المرأة للعمل العام، وقد واجهت تجربتها بعض التحديات الاجتماعية والعملية لم ينفع معها أي تحسينات على البيئة التشريعية، فهن واجهن التهميش والإقصاء والتنمر الإلكتروني والسياسي، وشغلها المناصب ينطوي على مستوى أقل من صلاحية اتخاذ القرارات ومن النفوذ.
هذا الأمر يحتم علينا جميعا إعلاما ومنظمات مجتمعا مدنيا إلى جانب الحكومة العمل على تجاوز المعيقات الاجتماعية التي تقف حائلا امام المرأة، فلا ينفع أن تُترك النساء وحدهن والاكتفاء بما تم إنجازه بالبيئة التشريعية، التي تعد مهمة لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق ما هو مأمول بالوصول إلى نسبة لا تقل عن 30% في كل الأطر والهياكل.
ما حدث في عملية التسجيل للترشح للانتخابات البلدية قرع الجرس عالياً، ولكن هل هناك من يسمع ويشعر بالخطر، أم أن أصحاب القرار يجلسون مرتاحين ولم يشعروا بالخطوة؟
ويبقى السؤال عهدة في جعبة المستقبل برسم الإجابة.