ويمتلك الأردن خبرة أمنية واستخبارية وعسكرية متقدمة في مواجهة الإرهاب وإحباط مخططاته، مدعومة بكفاءة مؤسساته وتنسيقها، وبمكانته في الجهود الدولية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، وتوفر هذه الخبرة أساسا لبناء إطار وطني متكامل يحول الجهود المؤسسية والمجتمعية إلى عمل منظم، تتحدد فيه المسؤوليات والأهداف والبرامج التنفيذية وآليات المتابعة والتقييم.
ويمكن ان تقوم هذه المقاربة على 5 مسارات رئيسية مترابطة، أولها المسار الأمني والسيادي، الذي يركز على تطوير قدرات الاستخبارات والمواجهة الاستباقية، وتعزيز أمن الحدود، وملاحقة الخلايا والشبكات الإرهابية، ومكافحة تهريب السلاح والمخدرات وتجفيف مصادر التمويل والدعم اللوجستي، إلى جانب حماية المنشآت الحيوية والبنية التحتية، وتزداد أهمية هذا المسار في ظل التهديدات المرتبطة بنشاط تنظيم داعش والشبكات العابرة للحدود حيثما كانت مع التركيز على المحيط الاقليمي .
أما المسار الثاني فهو الفكري والتربوي، ويستهدف مواجهة الفكر التكفيري وخطاب الكراهية والتحريض، من خلال برامج تشارك فيها المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والبحثية، ويستدعي ذلك تطوير المناهج والأنشطة المدرسية والجامعية، وتأهيل الأئمة والوعاظ والمعلمين والمرشدين، وتعزيز التفكير النقدي والمواطنة وقبول الاختلاف، كما ينبغي توظيف رسالة عمان ومبادرة كلمة سواء في برامج عملية ومستدامة لترسيخ الاعتدال ومواجهة استغلال الدين لتبرير العنف.
ويشكل المسار الثالث، المجتمعي والوطني، ركيزة أساسية في تحصين الدولة، من خلال تعزيز التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية والثقة بالمؤسسات، وإشراك الأسرة والمرأة والشباب والأحزاب والنقابات والجمعيات والقيادات المحلية في الوقاية من التطرف، ويمكن إنشاء لجان محلية في المحافظات لتعزيز الحوار والتوعية والعمل التطوعي، وإطلاق مبادرات وطنية تستهدف الشباب والأسر والجامعات، ويتكامل ذلك مع معالجة عوامل الهشاشة الاجتماعية والتهميش، وتوسيع فرص التدريب والتشغيل وريادة الأعمال، بما يقلل فرص استغلال الأفراد في عمليات التجنيد والاستقطاب.
ويجمع المسار الرابع بين الإعلامي والاقتصادي، عبر مواجهة الدعاية الإرهابية والتجنيد الإلكتروني والتضليل، وتطوير مرصد متخصص لتحليل خطاب التطرف الرقمي، وتعزيز الثقافة الإعلامية والأمن الرقمي، وإشراك المؤسسات الإعلامية في نشر الوعي ومواجهة التحريض بمهنية ومسؤولية، وفي الجانب الاقتصادي، تبرز ضرورة تطوير آليات كشف التمويل الإرهابي وغسل الأموال، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والمالية والرقابية وملاحقة الشبكات التي توفر الدعم المالي للتنظيمات.
ويركز المسار الخامس على تطوير المنظومة المؤسسية والتشريعية وتعزيز التعاون الدولي، من خلال مراجعة التشريعات المرتبطة بالإرهاب، وتشديد العقوبات على التخطيط والتجنيد والتمويل والتسليح والدعم اللوجستي، وتطوير قدرات القضاء والتحقيق والأدلة الرقمية، مع ضمان المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات، كما يتطلب توسيع التعاون مع سوريا والعراق ودول المنطقة، والاستفادة من التجارب الدولية، خصوصا النموذج البريطاني القائم على الوقاية والملاحقة والحماية والاستعداد، والتجربتين السنغافورية والألمانية في التماسك المجتمعي والتدخل المبكر وإعادة التأهيل.
وقد يتطلب تنفيذ هذه المقاربة تشكيل إطار وطني دائم للتنسيق، تحت مرجعية حكومية واضحة وبالتكامل مع مجلس الأمن القومي والمؤسسات المختصة، يتولى تحديد الأولويات وتوزيع المسؤوليات ومتابعة البرامج، وتترجم مهامه إلى خطة تنفيذية تبدأ بالتأسيس وتقييم التهديدات ومراجعة التشريعات، ثم تنفيذ البرامج في الوزارات والمحافظات والمؤسسات التعليمية والمجتمعية، وصولا إلى التقييم الدوري وقياس النتائج، وإصدار تقرير وطني سنوي عن مستوى الإنجاز والتحديات.
وربما يكون من المفيد في هذه المرحلة اعتماد برامج متخصصة لإعادة تأهيل المتأثرين بالفكر المتطرف ومنع عودتهم إلى النشاط العنيف، من خلال المعالجة الفكرية والنفسية والاجتماعية وإعادة الإدماج، وفقا لتقييم فردي يراعي طبيعة كل حالة.
في المحصلة يمتلك الأردن المقومات اللازمة لبناء نموذج وطني متقدم في مكافحة الإرهاب، من خلال قوة مؤسساته الأمنية والعسكرية، واعتدال هويته الدينية، وتماسك مجتمعه، وخبرته في مواجهة التهديدات الإقليمية، وتكمن الأولوية في توحيد هذه المقومات ضمن منظومة تجعل الوقاية مسؤولية مشتركة، والمواجهة الأمنية أكثر فاعلية، والشراكة المجتمعية أكثر تأثيرا.