قد يبدو السؤال مُستغرَباً.. خاصة مع اقتراب موعد الحوار الروسي/الأميركي في العاشر من الشهر الجاري, والحوار «الثاني» المُزمع إجراؤه في الثاني عشر من الشهر ذاته في مجلس «روسيا ــ حلف الأطلسي', تعقبه محادثات بين ممثلي روسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا في اليوم التالي 13/1.
ولأنّ «الحوارات الثلاثة» غير مرشّحة للنجاح أو لنقل أنّ احتمالات الفشل تتقدم على احتمالات النجاح, إذا ما استندنا إلى التصريحات المعلنة التي يُدلي بها طرفا الحوار «الروسي الغربي» بجناحيه الأميركي/و'الناتوي', دع عنك التسريبات التي تتولى أجهزة الاستخبارات ووسائل الإعلام الغربية بثّها وفق خطة مبرمجة لا تستهدف فقط تحسين شروط التفاوض بل إظهار روسيا كطرف معتدٍ يميل إلى استخدام قوّته العسكرية أكثر من استعداده للحوار واحترام قواعد القانون الدولي (..) وحقّ كل دولة في أوروبا خصوصاً باختيار تحالفاتها (انضمام أوكرانيا لحلف الأطلسي تحديداً) فإنّ ما تمّ كشفه عن نتائج المكالمة الهاتفية (استغرقت 50 دقيقة) بين الرئيسين الروسي/والأميركي، يعكس ضمن أمور أخرى بقاء «الهوّة» شبه العميقة بين الطرفين، ما يفتح المجال لتوقّع فشل الحوار الروسي/الأميركي والذي سينعكس بالضرورة على أجواء ومناخات الحوار الروسي/الأطلسي.
هنا.. يجدر التوقف عند التحذير/التهديد التي كرّره بوتين لنظيره الأميركي بايدن, عندما قال: إنّ فرض أيّ عقوبات على روسيا في ما خصّ الأزمة الأوكرانية, سيفضي حتماً إلى قطع موسكو كامل علاقاتها مع واشنطن.
ما يلفت الانتباه إلى التوقيت وخصوصاً «المضمون» الذي اختاره بوتين لإطلاق تهديد كهذا, لم يحدث أن حصلَ أو تمّ التلويح به حتّى في ذروة الحرب الباردة بين العملاقين السوفياتي والأميركي، ما بالك الآن وقد وصل التدهور في علاقات روسيا بالغرب (أميركا/والناتو) مرحلة تكاد تسبق ما يمكن وصفه نقطة اللاعودة؟
يمنح التوقف عند مدلولات وأبعاد التصريحات/الإجراءات التي اتّخذها الطرفان الروسي والأميركي، كذلك الروسي/وحلف الناتو، فرصة للتمعّن، في الأبعاد السياسية/والعسكرية وخصوصاً ما خصّ «الخريطة النهائية» التي تسعى موسكو من جهتها, كما واشنطن وبروكسل/بما هي مقرّ الناتو.. رسمها للحدود الجيوسياسية التي تفصل بين روسيا وأوروبا الشرقية، حيث لم يتوقّف الضمّ الزاحف للناتو لمعظم دولها، سواء أكانت سوفياتية سابقة أم عضواً في حلف وارسو, وهو أمر لا تعتزم موسكو التهاون إزاءه أو تقديم أي تنازلات فيه..
وإذ سبق المكالمة الهاتفية الأخيرة بين بوتين/وبايدن تجربة ناجحة أجراها الجيش الروسي على تسعة صواريخ فرط صوتية من طراز تسيركون, ولم تكن التجربة محض صدفة في توقيتها ودلالاتها، زد على ذلك سيل التصريحات التي أدلى بها مسؤولون روس رفيعو المستوى فاقت في حدّتها تصريح بايدن بعد انتهاء مكالمته الهاتفية مع بوتين، عندما قال: إنّه «أوضحَ» لبوتين حال قام بأيّ تحرّكات أخرى, وإذا توغّل في أوكرانيا فـ'إننا سنفرض عقوبات صارمة, وسوف نزيد وجودنا في أوروبا مع حلفائنا في حلف الناتو، وسيكون هناك ثمن باهظ لا بدّ دفعه جراء ذلك». دون إهمال دلالة توقيع بايدن على أكبر ميزانية «دفاعية» أميركية بلغت (770) مليار دولار للعام المقبل, بتشديد على زيادة التسليح البحري/والجوي وخصوصاً سياسة «ردع» كلّ من روسيا/والصين.
صحيح أنّ بايدن تراجعَ عن أقواله المتغطرسة هذه بعدما وصله تحذير/تهديد بوتين بأنّ ذلك سيعني «قطيعة كاملة بين موسكو وواشنطن»، عبر مسارعته/بايدن إلى القول بأنّه «لم يكن يقصد عقوبات جديدة, بقدر ما أراد التذكير بمواقف بلاده السابقة والمعروفة بالشأن الأوكراني»، غير أنّه صحيح أيضاً أنّ موسكو واصلت في الآن ذاته تحذير واشنطن وجنرالات الناتو من مغبّة المضيّ قدماً في تنفيذ خططهم الرامية ضمّ أوكرانيا للأطلسي. تبدّى ذلك جلياً في تصريحات بوتين وتلويحه بـ'خيارات متنوعة» إذ رفض الغرب تقديم «الضمانات الأمنية» التي طالبت موسكو بها, في الوقت ذاته الذي لم يستبعد فيه رئيس الدبلوماسية الروسية/لافروف.. إقدام واشنطن على «إشعال حرب صغيرة في أوكرانيا»، ثمّ ــ أضاف لافروف ـــ اتهام موسكو, وفرض عقوبات جديدة عليها من أجل كبح قدراتها التنافسية..
زِد على ذلك ما قاله ألكسندر فومين، نائب وزير الدفاع الروسي بأنّه (الناتو) «يستعدّ لمواجهة عسكرية كبيرة مع روسيا»، معتبراً أنّ حلف شمال الأطلسي تخلّى عن مشاريع تعاون مع روسيا للتركيز على ردعها عسكرياً.
يُلحظ هنا انّ أميركا استبعدت الاتحاد الأوروبي تماماً من المسألة الأوكرانية, رغم الضجيج السياسي والدبلوماسي الذي أثاره الاتّحاد، سواء في رفضه مطالب موسكو بإنهاء توسّع الناتو شرقاً، واصفا إياها بـ'غير المقبولة', أم في دعوة مفوّض الاتّحاد للشؤون الخارجية والأمن/جوزيب بوريل واشنطن والناتو للدفاع عن مصالح الاتّحاد حول الأمن الأوروبي، مُتوعداً بانّ الاتّحاد مع شركائه وحلفائه «سيردّ بشكل حازم على أيّ انتهاك لسيادة أوكرانيا»، وهي تهديدات فارغة لا يبدو أنّ أحداً في موسكو/ وخصوصاً في واشنطن أخذها في الاعتبار.
في الخلاصة.. الخيار الدبلوماسي لم يُستنفد بعد، لكن حظوظه بالنجاح تبدو شبه معدومة, اللهمّ إلّا إذا قرّر قادة حزب الحرب في واشنطن/والناتو النزول عن الشجر العالي الذي صعدوه.
kharroub@jpf.com.jo