عاد نبيّ البيرسترويكا والغلاسنوست المُزيّف ميخائيل غورباتشوف إلى الأضواء هذه الأيام, ليس فقط في الذكرى الـ«30» لتفكّك الاتّحاد السوفييتي, وتطبيقه المشبوه السيناريو المُعدّ مسبقاً للمهمة التي كُلفَ بها قبل وصوله رئاسة الحزب الشيوعي/آذار 1985 ثم لاحقاً رئاسة الاتحاد السوفييتي نفسه/1988, بل وأيضاً عودته في خِضم حال التوتر الشديد الراهن وغير المسبوق بين روسيا الاتحادية والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي/الناتو.
ما رفع منسوب التوقّعات بإمكانية الانزلاق إلى حربٍ ساخنة، بعد سنوات من حرب باردة بين الطرفين, أُضيفت إليهما الصين إلى المشهد الدولي المستجدّ, بعد أن كانت غائبة عن الاصطفاف (نسبياً) في العقود التي اشتعلت فيها الحرب الباردة (1947-1991).
الرئيس الثامن والأخير للاتّحاد السوفياتي, الذي أطنب الغرب الإمبريالي في امتداحه والثناء على «حكمته وبُعد نظره» وبخاصة إسهامه (غورباتشوف) في انهيار «امبراطورية الشرّ» السوفياتية, على ما دأب الرئيس الأميركي ريغان وصفها، خرجَ على العالم قبل يومين ليقول في استخلاص بائس وبأثر رجعيّ بعد ثلاثة عقود من «أكبر كارثة جيوسياسية حدثت في القرن العشرين"/ (وفق الوصف الدقيق لفلاديمير بوتين): إنّ الولايات بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي أُصيبَت بداء الغطرسة، ما أفضى –والقول لغورباتشوف- إلى فكرة توسّع الناتو و"نسيان» مبادئ الأ?ن الاجتماعي.
الطريف بل الباعث على التندّر, هي استخلاصات هذ الرجل الأكثر بؤساً وثرثرة, التي يبدو أنّها نتاج ضحالة «الأفكار» التي حكمت مساره, الذي جيء به في توقيت مشبوه وفي ظروف لا يخطئ المرء أو يقع في فخّ «نظرية المؤامرة», عندما يشير إليه بأصابع الاتّهام إزاء الكيفية التي وصل فيها إلى سدّة الحكم, ليصبح صاحب القرار الوحيد في لجنة مركزية ومكتب سياسي شاخ معظم أعضائهما, فيما بدا هو رمزا لعنصر «الشباب» الذين غابوا/غُيّبوا عن قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي, منذ إطاحة خروتشوف وقدوم بريجنيف الذي «أدخل» المعسكر الاشتراكي في مرحلة?من الجمود والتكلّس, أسهمت ضمن أمور أخرى في «تصعيد» غورباتشوف ورهط اليهود المتصهينين إلى المراكز الأولى في العهد الغورباتشوفي غير المجيد. (رأينا كيف تم تسهيل «هجرة» أزيَد من مليون يهودي/وغير يهودي من الاتحاد السوفييتي الى إسرائيل).
يجيب «غوربي» على سؤال عمّا إذا كان من الممكن بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي بناء علاقات مع واشنطن بشكل مختلف دون المساس بروسيا؟ قائلاً: إنّ هذه العملية أضعَفت البلاد وتسببت بانهيار اقتصادي وفوضى. هكذا وبكل بساطة يُعفي نفسه من المسؤولية, واضعاً العبء على «مجهول» دون امتلاك الشجاعة الأدبية أو تلاوة فعل الندامة على ما قارفت يداه، ثمّ يمضي إلى القول: مزاج الانتصار في الغرب، وبخاصّة في الولايات المتّحدة.. الغطرسة والخيلاء أصابتهم في رؤوسهم. أعلنوا –يُضيف- النصر في الحرب الباردة على الرغم –والقول له- من (أنّنا) م?اً أخرجنا العالم من المواجهة..من السباق النووي، ولكنهم –يستطرد- قرّروا بناء امبراطورية جديدة, من هنا – يَستنتِج غوربي ــ خرَجت فكرة توسّع الناتو.
السؤال هنا..مَن يضحك على مَن؟ هل أخرجَ غورباتشوف العالم من المواجهة؟ أم أنّه منح أشرِعَة الإمبريالية الأميركية وأتباعها في القارة العجوز رياحاً جديدة، ما دفعَ أحفاد المُستعمِرين قديمهم والجديد.. إلى إعلان انتصار الرأسمالية بنسختها النيوليبرالية المتوحّشة وهزيمة الاشتراكية مشروعاً وإمبراطورية (شكّلها الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية, المتحالفتان مع حركات التحرّر الوطني في العالم, والمساندة لمنظمة عدم الإنحياز في سياساتها الدولية).
يُلحظ هنا أن غورباتشوف يُحمّل القيادة الروسية مسؤولية ما حدثَ لاحقاً, عندما يتّهمها باّنها «ردت على هذا الأمر في البداية ببطء شديد، ثمّ قّررت بعد ذلك –أضاف- إلقاء اللوم عليه (أي على غورباتشوف نفسه)، بل ذهب بعيداً للقول: لم يتذكّروا أي شيء أكثر ذكاءً’ وميثاق باريس وأفكار الأمن الجماعي وإنشاء مجلس أمن لأوروبا (التي نوقشت بجديّة في عام 1991، كان مصيرها النسيان).
رجل يعيش في الماضي، يتذكّر ماضيه البائس دون خجل, ولا ينسى شيئاً مثل آل بوربون في فرنسا, لكنه في الآن ذاته يواصل الثرثرة والحديث عن إنجازات وهمية، تماماً على الطريقة العربية المعروفة التي لا تجِد ما يسندها على أرض الواقع.
ولعلّها مصادفة أن تتزامن ذكرى تفكك الاتّحاد السوفياتي رسمياً في 26/12/1991 مع المؤتمر الصحافي السنوي الكبير الذي عقده الرئيس الروسي بوتين الخميس الماضي, عندما قال وكأنّه يردّ على غورباتشوف (وبالطبع دونما صلة بين الحدثيْن): أريد أن أذكّر بما قاله خصومنا منذ قرون.."روسيا يستحيل الانتصار عليها، يمكن فقط تحطيمها من الداخل».. وهذا ما فعله غورباتشوف والحلقة المقربة من اليهود المتصهينين في الحزب الشيوعي السوفياتي.
أضاف بوتين الخميس الماضي:"في تسعينيات القرن الماضي حين حطموا الاتحاد السوفيتي من الداخل. مَن يفعل ذلك؟ هم أولئك الذين خدموا مصالح أخرى أجنبية لا صلة لها بمصالح الشعب الروسي والشعوب الأخرى, في الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي وروسيا الاتحادية».
دقّقوا في ذلك وقارنِوه بما حدث سابقا.. ويَحدث الآن.