نفرح عندما نلمس مؤشرات ايجابية في عمل مؤسسة من مؤسسات الوطن، استطاعت أن تحقق حضورا لافتا على المستوى الوطني والعربي والعالمي، فيكون حقا علينا وواجبا أن نشد على أيدي القائمين على هذه المؤسسة، ونلتف حولهم في مسعاهم الطيب والواثق الحضور، خاصة عندما تكون هذه المؤسسة هي حصن اللغة العربية ورافعة لواء الانتصار لأبجدية الأمة، وأقصد (مجمع اللغة العربية الأردني) الذي يرأسه مثقف وأكاديمي وسياسي وأديب بليغ هو الأستاذ الدكتور خالد الكركي، الذي عزز حالة من الانفتاح والتفاعل الإيجابي لمجمع اللغة العربية فصار مبناه في موقعه بين الجامعة الاردنية ومسجد الجامعة، منارة تنوير، ومقصدا لمحبي اللغة العربية من كافة الأجيال، وصار هذا المكان نابضا بالحياة، يقدم رسالته بصوت مؤمن واثق، متجاوزا أوراق المعاجم على أرفف المكتبة هناك، على أهميتها، ولكن هناك عزيمة لتعزيز حضور اللغة العربية في كل مناحي الحياة، ذلك أن اللغة العربية لغة الأمة ولغة الحياة، ولذا فرسالة المجمع ومهماته صارت بالضرورة تتنامى أكثر في ظل واقع جديد، واقع تتداعى فيه العامية ودعاتها، مع انتشار وسائط التواصل الاجتماعي دون ضوابط، وارتباك في مناهج التعليم، وضعف المحتوى العربي على شبكة الانترنت، وتخلي كثير من وسائل الاعلام المرئي والمسموع عن دورها في استخدام وتعزيز اللغة العربية، في مقابل توسع مساحة استخدام العامية واللغة الهجينة بشكل مريب.
ولا بد هنا من الاستشهاد بمقالة سمو الأمير الحسن بن طلال «اللغة العربية واستئناف مسيرتنا الحضارية»، التي نشرت في الرأي بالتزامن مع موقع العرب، وفيها يؤكد سموه ضرورة «مضاعفة الجهود للحفاظ على التراث النوعي في مجتمعاتنا العربية في الموطن والمهجر، وتطوير النظم التعليمية والقوانين والتشريعات التي تحفظ التراث واللغة العربية في مجتمعاتنا المعاصرة. وعلى المستوى العالمي يجب العمل على تعزيز حضور اللغة العربية في الثقافة والأدب العالمي وتكثيف الحضور المعرفي العربي في شبكة البحث العالمية».
ولعل كلمة الدكتور خالد الكركي رئيس مجمع اللغة العربية، في اليوم العالمي للغة العربية، تصب في ذات السياق، وتؤشر الى ملاحظات على أرض الواقع في التعامل مع اللغة العربية، وينبه لها ببلاغة وغيرة وحرص، وجهود المجمع لمعالجتها، حين يقول: (أنجزنا قوانين جديدة للمجمع، وللحماية، ونأمل أن تسير في طريقها إلى التشريع في وقت ليس ببعيد، لأنها تضبط هذه الفوضى، وتدق على رؤوس المستهترين والغافلين لعلهم يدركون على ما يفعلون بأنفسهم وأبنائهم إذا تراجعت اللغة العربية عن موقعها الأول في تراثنا وحياتنا ورسالتنا؛ وفوق هذا إذا لم تكن مناهج التعليم عربية، وطنية، منفتحة على الدنيا وإنجازات العالم دون تبعية أو خضوع أو استلاب).
هذه كلمة، تتعدى حدود مجمع اللغة العربية الأردني وهذا الحفل الثقافي، وتجيب على العنوان الذي طرحته اليونسكو في الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية عام 2020م: «مجامع اللغة العربية ضرورة أم ترف؟»، رغم أن هذا العنوان والتساؤل غير بريء في طرحه، ولكن المتابع لواقع اللغة العربية يدرك مقدار المسؤولية الواقعة على مؤسسة مثل مجمع اللغة العربية الأردني، ومدى ضرورة دعمه وتمكينه في وضع الضوابط والتشريعات لتعزيز حضور اللغة العربية وتطورها.
ما تحدث به الدكتور خالد الكركي في يوم اللغة العربية هو رسالة معنيّ بها كل سائل ومسؤول، ومعنيّ بها أركان الدولة، وأتمنى أن تقرأ وتعمم للصالونات السياسية والملتقيات الثقافية وتمرر للمعنيين بالتعليم العالي، وتُدرّس في المدارس، ويطّلع عليها المسؤولون عن السياحة والثقافة والسياسة، حتى تصل، ولا تتوقف عند عتبة الاحتفال بيوم الضاد.