لم يكن أحد يتوقّع أن تكون إحدى نتائج هزيمة أرمينيا المدوية, التي ألحقتها بها أذربيجان بانخراط ميداني حاسم تركي/وإسرائيلي إلى جانب باكو, في حرب ناغورنو كاراباخ «الثانية» التي استمرت 44 يوماً, بل الأصح القول الهزيمة التي تسببت بها الإدارة السيئة والارتجالية لرئيس الوزراء الأرميني نيكول باشنيان.
نقول: لم يكن مُتوقعاً أن يذهب باشنيان بعيداً في طلب «توسّط» موسكو بين يريفان وأنقرة لدعم مسيرة التطبيع بينهما, على ما أكدت متحدثة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في إفادة صحافية أواخر الشهر الماضي.
معروف أنّ تركيا قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع أرمينيا وأغلقت الحدود معها في العام 1993, بعد اجتياح الأخيرة إحدى المدن الأذرية خلال حرب ناغورنو كاراباخ «الأولى» العام نفسه، رغم أنّ أنقرة كانت إحدى أوائل الدول التي اعترفت باستقلال أرمينيا عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
ليس هذا فحسب، بل ثمّة عداء «تاريخي» عميق بين البلدين منذ العام 1915, وهو العام الذي اعتمده الأرمن لتأريخ المجازر العثمانية بحقهم، والتي طالب نحو مليون ونصف المليون نسمة بين العامين 1915-1916 وفق روايتهم, التي واظبوا التمسّك بها واعتماد 24 نيسان 1915 يوماً للاحتفال بذكراها السنوية، وعملوا طوال أزيد من قرن على تعميمها عالمياً خاصّة في الولايات المتّحدة الأميركية، حيث يتوفّرون على «لوبي أرمني» قوي وفاعل في الساحة الأميركية، استطاعوا في النهاية نيل اعتراف إدارة بايدن بالإبادة العثمانية للأرمن يوم 24/4/2021، بم? هو يوم الذكرى الـ"106» للتاريخ الذي يعتمده الأرمن، على عكس الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه, والذين «تجنّبوا» وصف ما حدث للأرمن بأنّه إبادة جماعية ارتكبتها الدولة العثمانية, حتّى لا يغضبوا تركيا حليفتهم الأطلسية.. رغم أنّ دولاً غربية عديدة اعترفَت بالإبادة الجماعية للأرمن ومنها فرنسا وروسيا وألمانيا واليونان وإيطاليا وهولندا والفاتيكان ولبنان وسوريا مؤخراً/(شباط 2020).. كذلك دول عديدة في أميركا اللاتينية.
صحيح أنّ محاولات سابقة بُذلت في هذا الاتجاه، كادت أن تصل إلى خواتيمها في العام 2009، كان أحد أطرافها وزير الخارجية التركي الأسبق/ورئيس الوزراء لاحقاً صاحب نظرية «صفر مشاكل مع الجيران» أحمد داوود أوغلو، بل تمّ الاتّفاق على عدد لا بأس به من الاتفاقات والبروتوكولات التفصيلية ذات البعد التاريخي, المتمثل بإرث لا ينتهي من العداء والشكوك وانعدام الثقة، إلّا أنّها فشلت في وضع الطرفين على سكة التطبيع, لأسباب عديدة ليس أقلّها مُعارضة «الشتات» الأرميني لخطوة كهذه, قبل اعتراف تركيا بارتكابات الدولة العثمانية ضدهم ما ي?نى أيضاً اعتذاراً ودفع تعويضات.
ما الذي استجدّ إذاً؟
ثمّة من يعتقد أنّ رئيس الوزراء الأرميني باشينيان يريد الهروب إلى الأمام, بعد تحميله مسؤولية الهزيمة المُذلّة التي ألحقها الثلاثي الأذري/التركي/الإسرائيلي ببلادهم، وأنّه ورغم المظاهرات العارمة والانشقاق الذي حدث في حزبه/وحكومته واضطراره للاستقالة في نيسان الماضي، ثمّ فوزه لاحقاً في الانتخابات المبكرة التي جرت حزيران الماضي، إلّا أنّه يريد شقّ طريق سياسي آخر لبلاده–حال نجاح مسعى التطبيع مع أنقرة- بعيداً عن موسكو, التي حاول في البداية تحميلها مسؤولية الهزيمة كونها لم تلتزم آليات «معاهدة الأمن الجماعي", التي ت?ارك فيها أرمينيا إلى جانب روسيا، بيلاروس, كازاخستان, قيرغزستان وطاجيكستان.
ما استدعى ردوداً روسيةً غاضبة على لسان أكثر من مسؤول روسي, وهي أنّ المعاهدة تنصّ على دفاع الأعضاء عن أيّ دولة يتمّ الاعتداء على سيادتها, فيما موسكو «لا تعترف» بأنّ ناغورنو كاراباخ هي أراضٍ أرمينية بل أذرية، علماً موسكو أنقذت أرمينيا من خطر الاحتلال, لو لم يتمّ كبح أذربيجان والضغط المكثف عليها لوقف النار، ما منح باشنيان فرصة «البقاء السياسي» رغم عدائه المعروف لروسيا ورئيسها، بل ولا يُستبعَد حال «نجح» مساره التطبيعي مع أنقرة, أن «يتحالف» مع الأخيرة في جنوب القوقاز ويتجّه نحو واشنطن التي دعمت وصوله إلى الحكم,?بعد «ثورة مُلوّنة» كان أحد شعاراتها الابتعاد عن موسكو.
في السطر الأخير.. احتمالات التطبيع بين أرمينيا وتركيا تبدو واردة أكثر من أيّ فترة مضت، رغم خسارة أرمينيا لمزيد من الأوراق التي كانت بحوزتها قبل الحرب في كاراباخ الثانية، والتي تجلّت مؤخراً في تعيين أرمينيا ممثلاً خاصاً لها في أنقرة، في ما وُصفَ «مفاوضات السلام» في المنطقة، فيما أعلنت تركيا تعيين سفيرها السابق في واشنطن ممثلاً خاصاً لها لدى أرمينيا.
هل تصل جولة «التطبيع» الجديدة إلى نهايتها؟ أم ينجح مُعارضو باشنيان داخل أرمينيا وخارجها بإطاحتها؟
... الأيام ستروي.