الأولوية اليوم يجب أن تكون لتحسين الوضع الاقتصادي، ولا يمكن أن يكون هناك تقدم مقنع بالشأن السياسي، دون إحداث انفراج في الوضع الاقتصادي الوطني؛ فعندما نقرأ «الكرونولوجيا» فإننا نجد أن «السياسة والاقتصاد» مرتبط كلُ منهما بالآخر لدرجة أن الاقتصاد في بعض الأحيان يُعتبر العامل الأهم في ترجيح كفة حزب سياسي على آخر، بل ربما لو أننا درسنا أسباب الكثير من الأحداث السياسية والأمنية بما فيها الربيع العربي؛ نجد أن الاقتصاد يُعتبر هو الكفة الراجحة في ميزان الاستقرار المجتمعي لأي دولة..
فالاقتصاد القوي المُستدام بلا منازع يؤدي إلى ترسيخ مفهوم الأمن الاجتماعي والفكري ويجسد حالة الاستقرار السياسي ونموها، وهذا ما يجب أن نعمله معا، وهو المطلوب من السلطتيين (التنفيذية والتشريعية) تحقيقه من خلال وضع وتطبيق استراتيجيات قابلة للحياة ومشتركة مع القطاع الخاص..
الأردن، بحمد الله وفضله، وهب له الكثير من الثروات والمصادر الطبيعية والبشرية التي إن وُظفت بشكل صحيح وفعال تحت استراتيجية اقتصادية سوف تُكَوٍنُ قوة ومردودها كبير على الشعب.
إذن لماذا لا يكون لدى الحكومات رُؤية اقتصادية وسياسية وصحية وتعليمية وزراعية ونقل تُنشَأ من خلالها مشاريع تنموية، تُقوي اقتصادها وتحل الكثير من مشاكل الدولة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟ نريد رؤية حقيقية لترجمة تلك الافكار. لماذا الاستمرار في اتباع سياسات لا تؤتي بنتائج إيجابية؟
إذن، فالمشكلة تتعلق بالدرجة الأولى إحداث انفراج في المجال الاقتصادي من خلال خطة عملية للتعافي لها إطار زمني محدد لإعادة اقتصاد المملكة إلى السكة، وبخاصة بعد التباطؤ الذي نتج عن وباء كورونا وتداعياتها، من خلال إجراءات إصلاحية شاملة وسريعة تساهم في زيادة الاستثمار، وتوليد فرص العمل، وتشجيع النمو والصادرات.
وهذا من شأنه أن يهيء المناخ لإنجاز حوار وطني حقيقي يحل الأزمات بدل أن يكون هو نفسه أزمة مضافة إلى هذا الواقع.
أعتقد أن احتمالية التعثر تتعلق أيضا بتجاوزات للمكونات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الاردنية، وسياسة الإقصاء لهذه المكونات، وبشكل اوضح لم يتميز البرنامج الاقتصادي بالواقعية من حيث إمكانية التنفيذ وتوفر التمويل اللازم، والبعد عن المشاورات مع أصحاب الشأن بالقطاعات الاقتصادية والصناعية والتجارية وغيرها الأكثر تماساً مع الاقتصاد واطلاعا على الوضع العام..
إن إنقاذ الاقتصاد يتطلب التركيز على الملف بجميع تفاصيله وعرض الإصلاحات بشفافية على الشعب، ومن ثم إجراءها وهذه الملفات يمكن إنجازها بوقت قصير متى توفرت الإرادة السياسية والسرعة والدقة. إن الجهات التي تريد الإقناع بغير ذلك تبحث عن تبييض ساحتها من فشل الخطط والبرامج التي اتخذتها، ولذلك ندعو إلى أولوية المحاسبة ليعرف الناس الحقيقة ناصعة وعلى المحجة البيضاء.
لا أعتقد أن أحداً يختلف معي في أن الحكومات والمجالس البرلمانية السابقة لغاية اللحظة لم تنجح في بناء بُنية اقتصادية قوية، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وما يحدث الآن من ذلك ببعيد. وأنا هنا أنادي بإعادة احياء جميع مكونات الاقتصاد الوطني بعامة ليشمل كلا من النظام الاقتصادي، ورأس المال والموارد الطبيعية والبشرية، والعمالة، والصناعة والتجارة والتوزيع، والقوانين والتشريعات والخدمات وغيرها لتحقيق هذه الرؤية وتحقق للشعب الأردني طموحه وحقه في العيش الكريم.. لماذا لا نحاول النجاح اقتصاد?ا أولاً لكي ننجح سياسياً؟ سؤال أتمنى الإجابة عليه من قبل المعنيين..