كتاب

«نساء» فـي حكومة «طالبان» المُنتظرَة.. هل حقاً؟

يُواصل المتحدّثون باسم طالبان (وهم كُثر ولا ينسقون في ما بينهم على ما تُظهره تصريحاتهم المُتناقضة) بثّ المزيد من الوعود ورسائل الطمأنة في أكثر من اتجاه، إن لجهة كسب المزيد من المُؤيدين في الدّاخل، أم خصوصاً في اتّجاه الخارج الإقليمي (دول الجوار..إيران/الصين/رّوسيا) على نحو يعكس مدى الارتباك الذي تعيشه الحركة, في ظلّ «صدمة النّشوة» التي أصابتها, بعدما وجدَت نفسها وبعد عقدين من السّنين مُمسكة بالمشهد الأفغاني، فضلاً عن التّرحيب الحذِر الذي قوبِل به استيلاء طالبان على كابول، وفي شكل أقل عِدائية عمّا كانت الحال عليه أثناء حكمها «الأول» لأفغانستان بين 1996-2001, وهو عام الحرب الوحشية التي شنّتها الولايات المتّحدة على أفغانستان, بذريعة محاربة الإرهاب الذي أصابها مباشرة بعد غزوتيّ نيويورك/وواشنطن، ما أوقعها في حرب استنزاف طويلة ومُكلفة، انتهت بهزيمة مدوية أعادت إلى الأذهان هزيمتَها المذلّة في فيتنام.

وإذ لم يتوقّف متحدّثو طالبان عن إطلاق التصريحات الوردية في شأن إنفتاحهم على خصومهم في الدّاخل, وإبداء استعدادهم للحوار معهم, والقول: إن حكومتهم العتيدة التي ستُشكل بعد انسحاب آخر جندي أجنبي, ستضّم طيفاً واسعاً من الأفغان, بعد حوارات مُعمّقة مع مسؤولي الحكومة السّابقة لضمان شعورهم بالأمان, فإن ما كان لافتاً ومثيراً للدهشة هو ما نقلته «رويترز» عن عضو لجنة طالبان «الثقافية» إنام الله سمنغاني بعد «يومين» فقط من اجتياح طالبان كابول قوله: «الإمارة الإسلامية لا تُريد أن تكون النّساء ضحايا.. يجب أن تكون في الهيكل الحكومي وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية»، ما أثار المزيد من الأسئلة على مدى صدقية هذه الأقوال، وماذا إذا كانت مُجرّد وعود في إطار حملة علاقات عامة مُبرمجة؟ أم فعلاً طرأ تغيير جدّي وملموس لدى قادة الحركة, الذين أنهكوا الأفغان طوال سنوات حُكمهم السابق، عندما أولوا مسألة لباس المرأة الأفغانية أهمية قصوى ولم يسمحوا لها بالتعلّم والعمل, وتم فرض الإقامة المنزلية عليها تحت طائلة الجلد والرجم, أكثر مما اعتنت طالبان بصحة الأفغان وتوفير العمل لهم، وحلّ مشكلاتهم المعيشية والخدمية, ومحاربة بقايا تنظيمات التكفيريين و«الجهاديين» الذين عاثوا في أفغانستان خراباً وإرهاباً.

جاءت التصريحات اللاحقة لبعض مُتحدثي طالبان عن «أن الحركة منفتحة على الحوار مع شرائح المجتمع الأفغاني, وأن طالبان تدعو خصومها في الحكومة السابقة وغيرهم إلى المشاركة في حلّ مشكلات البلاد», لتضفي نوعاً من «النضوج» المشكوك فيه، كونه غير مُترجَم على الأرض. تماماً كما هو تصريح أحد هؤلاء المتحدثين الذي قال: «إن حركته ستعرِض مواقع في الحكومة الجديدة على بعض أفراد النّظام السّابق، و«سنشاور» النساء وسيكون لهنّ دور في الإدارة الأفغانية الجديدة. ما لبث مُتحدث آخر أن قال (السبت 28/8): «من الصعب توقّع ما إذا كانت المرأة ستكون جزءاً من الحكومة».. مضيفاً: أن القرار النهائي بهذا الشأن سيتّخذه كبار القادة, كاشفاً أن الحركة التي تُحكم قبضتها على أفغانستان ستّعلن تشكيل مجلس وزراء كامل خلال أسبوع, وأن طالبان تعكِف على وضع حلول لمشكلات العملة والمشكلات الاقتصادية في البلاد.

بعيداً عن أيّ صورة نمطية لسلوك الحركة خلال فترة حكمها السّابق ونظرتها تجاه المرأة، بل وقطاعات عديدة من المجتمع الأفغاني، فإن مجرّد إطلاق تصريحات خُلّبية كهذه عن دور المرأة الأفغانية, يدفع للإعتقاد بأنّ حركة طالبان «الحالية» تختلف فيما يبدو عن تلك التي كانت قبل عشرين عاماً، وربما باتت داخل صفوفها أجنحة ومعسكرات يُمكن وصف بعضها بالاعتدال والبراغماتية. خاصة اولئك الذين خاضوا مفاوضات الدّوحة مع الجانب الأميركي، ورفضهم الجلوس مع حكومة أشرف غني، ما اضطر واشنطن للرّضوخ والتوقيع في النهاية على اتفاق/29 شباط 2020.

صحيح أن أحداً لن يصدّق حدوث تحوّل كهذا داخل صفوف حركة ظلامية كطالبان خصوصاً تجاه المرأة الأفغانية، إلا أنّه صحيح أيضاً أن عقدين من السنين أسهما في إنضاج طروحات وخطاب «طالباني» يلحظ تغييراً في موازين القوى العالمية, وبروز قوى صاعدة في الجوار الأفغاني تُجاهر بعدائها للأميركيين وتبدي استعداداً لإبعادهم عن المنطقة عسكرياً.. وهو ما حصل, كلك العمل لحرمانهم من تحويل هزيمتهم العسكرية إلى نصرٍ سياسيّ, عبر عقد تحالفات مع دول الجوار الأفغاني. خصوصاً دول وسط آسيا المجاورة، والتي تراها روسيا مجالها الحيوي, رافضة بحزم تواجد قوات أميركية/أطلسية فيها.

في الخلاصة.. حتّى لو رجحَ احتمال مشاركة امرأة أو أكثر في حكومة طالبان المستقبلية، فإن مجرد «تفكير» طالبان بمشاركة المرأة وتخفيف قبضتها عن دورها في المشهد الأفغاني الجديد, يعكس تبايناً ملموساً في صفوف الحركة, يمكن أن ينعكس إيجاباً على المرأة الأفغانية، خاصة بعدما غضّت طالبان نظرها عن استمرار «مذيعات» أفغانيّات في قراءة نشرات الأخبار عبر القنوات الإخبارية عند دخولها كابول. ولا نعرف ما إذا كان غضّ الطرف هذا سيستمر أم لا.

kharroub@jpf.com.jo