لقد اختارت الشعوب المتقدمة ووصلت إلى ما هي عليه الآن من حضارة وقوانين جراء الأخذ بمجموعات أساسية من المتغيرات للتحديث السياسي من خلال «المشاركة السياسية»، لذلك فإن الطبيعة الدقيقة للعلاقة بين هذه المتغيرات لا يمكن تحديدها إلا عبر المشاركة الشعبية ومعرفة مدى نجاحها في التغيير والتوجه نحو التحديث بشكل يستجيب بصورة ملائمة للمطالب السياسية، وهذا يتطلب من الجميع المرونة المتواصلة في وضع الأهداف الجديدة وتحقيقها لا سيما أن الحداثة تقاس بموجبها كما تستند الشرعية السياسية على أساسها.
والتحديث السياسي من الوسائل التي تستخدمها المجتمعات المتحضرة في تطويرِ سياستها الداخليّة والخارجية، وهو السبيل الوحيد للخروج من الأزمات ومواجهة المعيقات بطرق ديمقراطية قائمة على المأسسة، وعلى الإدارة السليمة وعلى القوانين والمتغيرات التي لا يمكن أن تحدث من ذاتيتها.
ويجب أن نتذكر أمراً قد يكون تم اغفاله وهو النظر إلى «التحديث السياسي» من زاويتين كونه إطاراً للانتقال من نظام سياسي تقليدي إلى آخر حديث، والثاني كونه إطاراً للأوجه والمؤثرات السياسية للتحديث الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والشبابي والتي تتجه بالضرورة إلى تغييرات سياسية مماثلة، كالاتجاه نحو الديمقراطية أو الاستقرار السياسي والاندماج الوطني من ناحية أخرى وترسيخ هذه التحولات السياسية وهذه المتغيرات البنيوية والمجتمعية والثقافية بقالب وطني واحد يعزز قدرة الدولة المدنية على عكس آمال المجتمع واحتياجاته بفاعلية، وكفاءة تتسمم بالأداء السليم، وطالما كان هو مطلباً شعبياً للتغيير.
وعادة ما ترتبط عملية التحديث باستبدال السلطات السياسية التقليدية والعائلية القائمة بسلطات جديدة يكون للقيادات الشابة نصيب كبير منها، فالمسألة تتعلق بإنتاج مشروع وطني بامتياز لترجمة التطلعات الشعبية في إنتاج مجلس نيابي وهيئات نقابية وحزبية ومجتمعية كظاهرة وطنية حقيقية، ولتأسيس انساق وقيم جديدة للدولة بمؤسساتها المختلفة ويدفع باتجاه التقدم في النظم العامة الحاكمة لإدارة المؤسسات.
وما يراد منه الآن هو التغيير نحو قيام أسس جديدة في التنمية بأشكالها وأبعادها كافة تستند على رؤى وبخطوات مرسومة، وكذلك تطوير بنى وقوانين وأنظمة متخصصة لتنفيذ هذه الوظائف وكطريق يهدفُ إلى تطبيقِ استراتيجية سياسية تؤدي إلى تطوير حالة الضعف السياسي العام، وتقوية الوهن العام بالإدارة، وتسعى كذلك إلى المحافظةِ على استقرار الدولة سياسياً واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ضمن المنطقة والعالم، ومن أجلِ تعزيز قدرتها على مواجهةِ تلك التحديات المحلية والدوليّة.
من هنا اتجه جلالة الملك عبدالله الثاني برؤيته الثاقبة وبما أثاره جلالته بأوراقه النقاشية إلى تجسيد مفهوم التحديث للتنمية وهو شيء متطابق مع تطلعات المجتمع المدني والدولة المدنية.
إن تطوير أي نظام سياسي لابد أن يرتكز على قيم حديثة وجهد وطني كبير من أجل قيام توازن معتدل واستيعاب لجميع التوجهات والمطالبات الحديثة الناتجة عن التغييرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذا التوازن سيكون له مميزات حتى وإن سبب اختلالاً بسبب تواجد عوامل جديدة على عوامل أخرى لا يمكن الاستهانة بها، بل العمل على تطويرها وتحديثها بنسق جديد وحديث..