أمّا بانشير فهي الولاية/المُحافظة «الوحيدة» التي لم تدخلها طالبان, بعدما أحكمت الأخيرة قبضتها على باقي الولايات الـ«33», نظراً لاستعصاء سقوط تلك الولاية وحساسيتها «التاريخية», وربما رغبة من طالبان تأجيل المواجهة «المُؤكدة», التي يعني اسم واديها الشهير «وادي الأسود الخمسة», وتسكنها أغلبية طاجيكية عديدها ثلث مليون نسمة، وترتبط خصوصاً بالقائد العسكري الذي قاد التمرّد ضدّ القوّات السوفياتيّة أحمد شاه مسعود, والذي أُطلِق عليه «أسد بانشير», نظراً لما تتمتّع به هذه الولاية من جغرافية صعبة خصوصاً واديها المسمّى وادي بانشير والذي عجز السوفيات وحكومة كابول عن اقتحامه أكثر من مرّة، ما أضفى عليه وعلى شاه مسعود طابعاً أسطورياً أسهمت وسائل إعلام غربية في الترويج لـ«بطولاته وعبقريته العسكرية» إلى أن نجح تنظيم القاعدة/بقيادة أسامة بن لادن باغتياله في 9/9/2001 (قبل يومين فقط من هجمات 11 أيلول).
استعادة هذه الوقائع التاريخية مقصودة بذاتها ولذاتها, في ظلّ إعلان أمر الله صالح «نائب» الرئيس الأفغاني الهارب أشرف غني.. أنّه الرئيس الشرعي «المؤقت»، داعياً مواطني البلاد الانضمام لـ«لمقاومة» ضد مقاتلي طالبان.. ما يعني أنّ هذا الزعيم «الطاجيكي العِرق» الموجود حالياً في ولاية بانشير.. أعلن حرباً على طالبان. ما يثير التساؤل عن سرّ هذه السرعة في إعلان الحرب، وإلى ماذا استند هذا «النّائب» الذي كان همّشه أشرف غني، خاصة أنّ «طالبان» اليوم ليست هي طالبان التي حاربت زعيمه أحمد شاه مسعود أواسط التسعينيات (1996–2001)، وأجبَرَته على الانكفاء داخل ولايته إلى أن اغتاله حليف طالبان ومموّلها (زعيم القاعدة).
آخر الأنباء التي لم تحظ بعد باهتمام العواصم ووسائل الإعلام الغربية، ليس تعفّفاً أو يأساً من احتمال الاستثمار في تمرّد ولاية بانشير, بقدر ما هي معنية الآن بترحيل عشرات الآلاف من دبلوماسييها ورعاياها الغربيين وآلاف الأفغان المتعاونين معها، ولن تعدم واشنطن كما الناتو وسيلة لتوظيف هذا التطوّر المتدحرج في المشهد الأفغاني, إذا ما قررت استنزاف طالبان وعدم السّماح لحكومتها المُتوقّعة بإدارة بلاد الأفغان, على النحو الذي يمنح طالبان الفرصة للمناورة وإقامة علاقات جديدة و«مُختلفة» مع دول الجوار الأفغاني خاصة الصّين وروسيا وإيران.
تقول الاخبار التي نقلتها وكالة «سبوتنيك» الرّوسية عن مصدر عسكري في العاصمة الأفغانية, إنّ جنود الجيش الأفغاني الذين رفضوا الانضمام لسيطرة حركة طالبان توجّهوا إلى ولاية بانشير، حيث يعتزمون الانضمام للمقاومة، مضيفة سبوتنيك:أنّ «عشرة آلاف مقاتل من قوات الجنرال عبد الرّشيد دوستم وجنود الجيش الأفغاني أُرسِلوا مُزوّدين بالسّلاح إلى بانشير لدعم القوات الموجودة هناك. فيما أفادت وكالة «نوفوستي» الرّوسية عن مصدر عسكري في كابول, أنّ قوات أمر الله صالح (نائب الرئيس الذي أعلن نفسه رئيساً) استعادت السيطرة من طالبان على منطقة شاريكار في إقليم باروان شمال كابول.
«تحالف الشّمال».. هو اسم تنظيم أحمد شاه مسعود خلال الوجود السوفياتي في أفغانستان, وقبل عاميْن برز ابنه الوحيد ويحمل اسم والده أيضاً «أحمد مسعود», كقائد لما يوصف الآن بـ«الجبهة المُوحدة», لم تُعرف بعد أطراف فصائلها أو الشخصيات التي ستتولى قيادة العمليات العسكرية إن اندلعت الحرب مع طالبان. وما إذا كان سيلقى تمرّد ولاية بانشير دعماً إقليمياً أو دولياً، خاصة أنّ وجود طالبان في الحكم قد بدأ يَلقى بعض القبول.. ليس فقط كأمر واقع كما حاول مسؤول الساسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الإيحاء, بل أيضاً رغبة معظم -إن لم نَقل كلّ دول الجوار, عدا الهند ربما التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع حكومة أشرف غني- تطبيع علاقاتها مع كابول والسير بها نحو آفاق جديدة تطوي صفحة الحرب في ذلك البلد المنكوب، وتفتح الطريق على التعاون الاقتصادي والاستثماري في بلد تقول معظم الدراسات إنّه غنيّ بالثروات المَعدنية إضافة للموقع الاستراتيجي.
في السطر الأخير.. تقول مصادر عديدة إنّ ولاية بانشير وواديها خصوصاً يتوفّران على ترسانة عسكرية ضخمة, من طائرات مروحية ودبابات وناقلات جند وأسلحة في قواعد عسكرية محصنة يصل عددها إلى 25 قاعدة، أضفت عليها أسلحة وعديد الجنود الذين انضموا إليهما بعد سيطرة طالبان على كابول... المزيد من القوّة.
kharroub@jpf.com.jo