أن تدعو الولايات المتحدة رعاياها في أفغانستان الى مغادرة ذلك البلد المنكوب بـ"أقصى» سرعة ممكنة, وأن يأمر الرئيس الأميركي بايدن باستهداف مسلّحي حركة طالبان بالقاذفات الاستراتيجية B52 وطائرات C130... يعني من بين أمور أخرى أن واشنطن التي توشك على إتمام انسحابها من أفغانستان قد فقدت السيطرة على يوميات الحرب الأفغانية, التي باتت طالبان تتحكم في مجرياتها وتفرض ايقاعها على المشهد الأفغاني, خصوصاً لجهة الانهيار المُتواصل (وإن البطيء والمرشح لمزيد من التعقيد لحكومة كابول التي يُمنّي رئيسها أشرف غني كما شريكه/خصمه في الحكم عبدالله عبدالله, الذي يترأس مفاوضات الدولة مع حركة طالبان دون تحقيق أي تقدّم يُذكر, لاختلاف الأهداف والأجندات والتحالفات بين الطرفين الأفغانيين, بعد ارتفاع أسهم طالبان لدى الدول المجاورة لأفغانستان والحيوية الدبلوماسية والسياسية التي تُبديها في تعاطيها مع تلك الدول, خصوصاً الصين التي أعلنت استعدادها لاستضافة حوار جديد بين طالبان وحكومة كابول, كذلك روسيا التي تُظهر تشدّداً وحزماً إزاء أي محاولات من طالبان لاختراق أو تهديد حدودها مع طاجكستان وجمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية السابقة, بما هي فضاء حيوي وحديقة خلفية لروسيا.
ناهيك عن الدور المرشح أن تلعبه كل من طهران وإسلام آباد في تقرير الوضع النهائي لأفغانستان. خاصة إذا لم تستطع طالبان حسم «المعارك» لصالحها, إضافة بالطبع إلى ما يمكن للهند القيام به بعد أن بدت حليفتها/حكومة كابول تخسر المزيد من الولايات لصالح طالبان, التي بدأت موجة جديدة من الهجمات المُركّزة, مستهدفة مدن وعواصم الولايات الأفغانية, التي أحجمت عن اقتحامها بعد سيطرتها على أرياف معظم تلك الولايات بما في ذلك العاصمة كابول ومحيطها. وجاءت ذروة «انجازاتها» في اختراق كابول واستهداف وزير الدفاع الأفغاني الذي نجا من محاولة اغتياله, لتعكس هشاشة القوات الحكومية وانهيار معنوياتها والاحتمالات الواردة لحدوث انشقاقات في صفوف الجيش والقوى الأمنية الحكومية.
لم يغِب مشهد المروحية الأميركية وهي «تسحب» السفير الأميركي من على سطح السفارة الأميركية في سايغون/اصبحت تسمى.. هوشي منه, بعد سقوطها في أيدي الثوار 30 نيسان 1975, حيث شكّلت هزيمة نكراء ومدوية لأكبر واقوى امبراطورية إمبريالية. وهنا تحضر مقولة الرئيس الأسبق بوش الأب عندما قال بعد حرب الخليج الأولى/تحرير الكويت/شباط 1991: لقد دفنّا «عار» فيتنام في الصحراء العربية.
نقول: لم يغِب المشهد هذا عن أذهان صنّاع القرار في واشنطن, وجاءت الهزيمة الأفغانية لتُحيي هواجس وكوابيس وأشباح حرب حصدت مئات آلاف الأميركيين (دع عنك ضحايا الغزو الأميركي من الشعب الفيتنامي), لهذا جاء استخدام القاذفات الاستراتيجية لتعكس حجم القلق الأميركي الذي لا يمكن لقنابل وصواريخ القاذفات الإستراتيجية والطائرات المقاتلة/القاذفة تبديده, أو وقف انهيار حكومة غني دفع طالبان لوقف هجومها, أو التراجع عن الشروط التي وضعتها لوقف القتال وأوّلها «استقالة» الرئيس الأفغاني أشرف غني.
اللافت في كل ما يجرى هو استخدام واشنطن قاذفاتها الاستراتيجية التي نادراً ما يتم استخدامها في حروب صغيرة أو متوسطة, ناهيك عن كونها ذخراً استراتيجياً يتم اللجوء اليه عند الحروب الكبرى, نظراً لما لنوعية وحجم القنابل الذكيّة «والنووية» التي تحملها في جوفها وعلى جناحيها.
وإذ من المبكر التكهّن بالمدى الذي ستذهب إليه إدارة بايدن في مسار مواصلة استخدام هذا النوع من القاذفات, وما إذا كانت خاصة بعد إتمام انسحابها نهاية الشهر الجاري/أو قبل 11 أيلول القريب, ستدير ظهرها لحكومة كابول وتتركها لمصيرها كما فعلت مع معظم «حلفائها» من الدُمى التي صنعتها لقيادة البلدان التي غزتها أو دبرت الإنقلابات فيها و"الثورات الملونة» التي دعمتها، فإن واشنطن في ما نحسب ونظن, لن نترك لطالبان «حرية» عقد الصفقات مع دول الجوار, التي تُبدي شماتة واضحة إزاء ما آلت إليه أطول حرب خاضتها واشنطن في تاريخها وانتهت الى فشل ذريع يصعب إنكاره. ما يعني إمكانية ان تقوم بعقد صفقة مع طالبان نفسها لتدير بها وعبرها عمليات تحرّش وتخريب ضد روسيا والصين وربما لاحقاً باكستان, بعد ما أظهرت الأخيرة تصلباً في منح واشنطن إقامة أي قواعد عسكرية/ استخبارية على أراضيها.
بل ثمة ما يمكن ترجيحه وهو اسثمار واشنطن في داعش أفغانيا بعدما أصابت وما تزال نجاحا في استثماره..."سُورِيّاً».